» إطلالة على دعاء الندبة  » خيام متعددة الطوابق في مشعر منى للمرة الأولى  » الرقابة على الصيدليات .. كيف الحال  » إلزام 7883 «ممتنعا» بدفع 96 مليوناً للإنفاق على أبنائهم  » العانس والمجتمع  » «النيابة» توضح عقوبة انتحال صفة «موظف البنك» وطلب المعلومات البنكية  » *هلال شهر ذي القعدة 1440هـ*  » 38 ألف صك طـلاق في 9 أشهــــــــر..  » تفاديا لأشعة الشمس.. العمل فجراً  » الزعاق يحذِّر من ارتفاع درجات الحرارة بدءًا الإثنين  
 

  

سماحة السيد فاضل علوي آل درويش - 31/05/2019م - 3:03 ص | مرات القراءة: 435


ورد عن أمير المؤمنين (ع) : (....و َرَضِيَ بِالذُّلِ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ...)( نهج البلاغة ص ٧٦٨ ) .

ما أعظمها من دروس تهذيبية للنفس و رافعة لمستوى الوعي و الفهم لحقائق الأمور نتلقاها من أمير المؤمنين (ع) ، إذ يفصح لنا عن اشتقاقات مفهوم الذل و الهوان و تعدد صوره و أشكاله في تصرفاتنا و علاقاتنا بالآخرين ، فإذا كان أجلى صوره هو الاستسلام و الانقياد لغير الأوامر الإلهية سواء كان ذاك الاتباع للأهواء و الشهوات

و سلطة المال أو سطوة الظلمة الجائرين ، فإن من تلك الصور التي يفصح عنها (ع) هي التحدث أمام الجميع و من هب و دب عن ضيق معيشته و ما يواجهه من صعوبات و ظروف قاسية من مرض و غيره ، فشتان ما بين الفضفضة عند صديق محب ما يعلو نفسه من هموم و أزمات يمر بها ، و يحتاج إلى دعم نفسي يعيد له هدوءه و اتزانه الفكري و الوجداني ،

فيلجأ إلى من يثق به ليخفف عنه تلك الضغوط الحياتية و يشاركه البحث عن الحلول و المخارج ، و ما بين قلب مفتوح لا يتوقف عن التبرم و الضجر و التشكي من مجريات حياته و أحواله فلا يبدي قناعة و تقبلا لها ، فما إن يسأله أحدهم عن أحواله إلا و يسرد تفاصيل التفاصيل ،

إنه كتاب مفتوح يقرأ صفحاته و جميع سطوره من يشاء بدون وجود خصوصية لشيء من واقعه ، فالفضفضة سمة إيجابية تزيح غبار الركام الذي يمنعنا من رؤية ما حولنا ، و أما التشكي فيبذر في النفس حالة الضعف و الهوان و سكب ماء الحياء من وجهه ، فلا يشعر بحجم سقوطه من أعين الناس الذين يرون فيه ضعف الشخصية و اهتزاز ثقته بربه و بنفسه ، فإن الشخص الكريم لا يرغب يوما في الظهور بصورة ذليلة يستعطف بها الناس بسرد معاناته .

و بالطبع فإن صعوبات الحياة و المشاكل قانون و سنة إلهية يختبر الباري عز و جل منها إيمان المرء و قدرته على تحمل المعاناة من عدمها ، فما يلقاه من أزمات يعاني منها غيره مع تعددها و الاختلاف الحقيقي يكمن في كيفية مواجهتها و التعامل معها ، فهناك من يتحمل مسئولياته و يواجه التحديات بكل اقتدار و صبر ، و أما التشكي من المصاعب فمؤشر لضعفه و لا يمكنه أن يظفر بصديق مخلص و قد تخلى عن كرامته ، فالشخصية القوية لا تنحدر يوما إلى مهوى المذلة و استرخاص النفس و استدرار العواطف بإظهار المسكنة .

و يوجهنا أمير المؤمنين (ع) إلى الطريق القويم في التعامل مع المشاكل بتقبل واقع تمتزج فيه ألوان السراء و الضراء فلا تصفو مشارب الدنيا و لا راحة من بلائها ، و الصعوبات محطات اختبار لا يمكن تجاوزها إلا بالصبر و تحمل المتاعب و مواجهتها باقتدار .

و من مقومات الصبر التخلص من صفة التشكي و تفلت اللسان الذي لا يتوقف عن سرد الآلام ، و إن كان هناك من هم و حزن يجثم على فؤاده بسبب المشاكل فليتوجه إلى محراب المناجاة و بث شكواه و أحزانه إلى بارئه ؛ ليتلطف بحاله و يرفع عنه آثار تلك المتاعب التي يعاني منها ، و التشكي للصديق المخلص يحمله هموما فوق مشاكله فيغتم أكثر و أكثر .

و ما أعظم ذاك المرء الذي يحول صدره إلى صندوق أسرار يحمل الكثير من المضايقات و الآلام دون أن يبثها لأحبابه خوفا عليهم من الكدر ، فمن يرى بشاشة وجهه و ابتسامته الدائمة يظنه طرازا فريدا من البشر لا يواجه مشاكل في حياته ، و الحقيقة أنه كبقية الناس يعاني من أحزان و عراقيل و متاعب و لكنه لا يطلع الآخرين عليها إلا في حالات قليلة .

و الخلاصة أن الشكوى للناس بغية الحصول على تعاطفهم معه نحو من أنحاء المذلة التي لا تليق بالإنسان الحر الكريم ، إذ يرى في التشكي مما يواجهه من آلام نفسية أو جسدية أسلوبا خاطئا لا يليق إلا بمن ارتضى المسكنة و الهوان ، و إن يوما أثقل قلبه بالهم توجه إلى ربه يشكو ضعفه و أحزانه .



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات