» سعوديون يرفضون عروضا وظيفية لا تقدم إجازة  » 4 ضوابط لرفع حظر السفر عن الممارسين الصحيين  » الشرقية: إغلاق مركز حضانة يدرس منهجا غير مرخص  » «التعليم» تكشف حقيقة خطاب صرف مكافأة 50 ألف ريال لخريجي الجامعات  » قلة المراجعين تدمج مراكز رعاية صحية أولية  » أصوات النساء تتصاعد.. 412 يوما في انتظار دور مدرسة «شرق»  » دورة للمقبلين على الزواج بجمعية البر في سنابس  » عقد شراكة بين مجلس بلدي القطيف وجمعية الذوق العام السعودية  » منزل أمي ( من منعطفات الحياة).  » شارك في حرب 73 ونجا بمظلته من حادث طائرة.. القطيف تفقد «البريكي» أحد محاربيها القدامى  
 

  

د.محمد حسين آل هويدي - 06/05/2019م - 3:30 م | مرات القراءة: 534


بسم الله الرحمن الرحيم - ... «77» وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ «78» ... – صدق الله العظيم – البقرة.

كانت جدتي أم عباس هويدي (يرحمها الله) قابلة، وأصبحت ذات حظوة إلى أن لاقت الله. انتقلت للرفيق الأعلى وأنا ذو تسع سنين حيث أتذكرها بقدر معلوم. حينما وعيتُ، لم يعد للقابلة أي دور وتوجهت الأنظار إلى المستشفيات.

أخي الذي يكبرني بأربع سنوات -عبد الله- يتذكر أنها كانت تأخذه معها حينما تُطلب للتقبيل، وكان هذا آخر عهدها بهذه المهنة. كانت تغطي وجهها عن التلفزيون وكان يحاول عمُّ أمي من البحرين -جعفر- أن يقنعها أن هذه الأطياف مجرد "قراطيس" تتحرك داخل ذلك الصندوق، ولكنها لم تقتنع. جعفر (يرحمه الله) فطن أن الموجودين في الصندوق ليس حقيقيين، ولكن علمه لم يكن كافيا لمعرفة كيف تنتقل هذه الأطياف وكيف يتم رسمها على الشاشة. ولكنه يبقى أكثر علما من جدتي حينها ولو أنه كان أميا؛ وفوق كل ذي علم عليم.

في صغرنا، كان لا يزال البعض يلجأ للمجبرين والبعض يقسم أنهم أفضل من الأطباء ولا يمكن لك أن تقنعه بأن التجبير مهنة تعتمد على التلمس ولها أن تصيب أو تخيب؛ نعم، الخبرة تنفع فيها، ولكن يقف صاحبها عند سقف لا يستطيع تجاوزه. المجبر قد يستشعر العظم المكسور ولكن من المستحيل له أن يعرف وجود الكسور الشعيرية التي لا يمكن التوثق منها إلا من خلال مقاطع الأشعة السينية. ومن الطبيعي جدا ألا يفقه ذلك المجبر الأشعة السينية ولا يمكن له قراءتها لأنه لا يمتلك العلم الكافي لاستيعابها. ولا بأس، كل على سعته.

سابقا، كان الآباء والأجداد يثقون في العطار والمجبر أكثر من الصيدلي والطبيب إلى أن مضوا إلى بارئهم، وهم مساكين على سجيتهم، ونسأل لهم المغفرة من الله والعفو والعافية إذ كفوا ووفوا وقاموا بواجبهم نحو أهاليهم ومجتمعهم، ولكن هذا لا يعني أن ظنهم كان صحيحا.

المشاكل تبدأ مع الجهل المركب وطاعة الأنفس والركون للأهواء والظن بامتلاك الحقيقة المطلقة: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87 – البقرة)، وهذا استكبار مقيت لأنه بجهل.

عيسى (ع) امتلك البينات (العلم) والتأييد إلا أنهم عاندوه، وما أشبه اليوم بالأمس. والله ينزل علمه على من يشاء: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90 – البقرة).

ولكن يبقى الناس مجبولين على العصيان والعناد حتى وإن تبين لهم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93 – البقرة). نقضوا المواثيق وأهملوا العلم وتركوا المعرفة وتوجهوا لعبادة عجل من الجماد صنعه لهم أكبر مرتد في تاريخ البشرية؛ السامري. الذين شربوا العجل في كل مكان حتى نبت لحمهم وعظمهم منه، وإن اختلفت هيئة العجل من صنم من ذهب إلى وثن من دم ولحم.

الآيات كثر. المقاطع القرآنية المنقولة هنا آيات، والشمس والقمر والسماء والأرض أيضا آيات. معرفة هذه الآيات بحاجة إلى علم، وهذا أمر لا خلاف فيه إطلاقا. عندما يقول تعالى: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106 – البقرة)، فهو لا يعني بذلك فقط الآيات القرآنية المباركة، ولكنه أيضا يشير إلى المفاهيم المتراكمة والتي تتجدد مع العلم ومنها تَنْسَخُ ما سبقها من مفاهيم؛ مثلا، الظن بأن الأرض مسطحة وأنها مركز الكون. نسخ الآيات السابقة لا يتحقق إلى بعلم ومعرفة.

القمر آية، وهو بحاجة إلى علم ومعرفة. في السابق، التعامل مع القمر كان من خلال النظر والرؤية بالعين المجردة. اليوم، نستطيع أن نتعامل مع هذه الآية بسبل مختلفة. وهذا مشابه للمجبر الذي يعتمد اللمس ليجد الكسر وعلى الطبيب الذي يعتمد على الأشعة السينية لرؤية الصورة كما هي.

كما هجر الناس المجبرين النمطيين، سيهجرون يوما ما التعامل مع آية القمر من خلال البصر والاقتناع نهائيا بأن دقة العلم كالأشعة السينية تتفوق على التلمس بالحواس وإن طالت الخبرة وارتفع صيت صاحبها. الهدف تجبير الكسر وليس تقديس المجبر.

المشكلة التي تعيشها بعض الأمم أن الجماهير لا زالت تعتقد أن المجبر أكثر فهما وأفضل دقة من الطبيب الذي يعتمد على الأشعة السينية. جدتي (يرحمها الله) والمجبرون (يرحمهم الله) كانوا يظنون أنهم أفضل من الأطباء، خصوصا أنهم لا يستطيعون التعامل مع السبل الحديثة. كل هؤلاء لم يرغبوا في خسارة شعبيتهم وحظوتهم، وربما لا ملامة عليهم بسبب علمهم المحدود وسجيتهم الطيبة. ولكن اللوم يقع على من كان يصدقهم ويتعالج عندهم مع وجود السبل الحديثة.

كل من يفهم الفلك ولم يكن مؤدلجا يعلم يقينا أن الهلال كان موجودا في يوم الأحد في السماء، سواء تمت رؤيته بالعين المجردة أو المسلحة أو لم تتم. بالتحديد، وعلى حسب أفق سيهات، في يوم الأحد 5 مايو في الساعة 10:33 مساء كان عمر الهلال يوم بالتمام والكمال وأن نسبة سطوعه كانت 1%. كما أن مراكز الأرصاد الفلكية تقول إن تمام البدر سيكون بعد 13 عشر يوم من يوم الأحد. متى اكتمل القمر بدرا في ليلة الثالث عشر؟!!! هذه القضية مشابهة بنقاش طبيب أشعة يرى الكسر الشعيري مع المجبر الذي يصر أنه لم يتلمس الكسر ولم يشعر به. ولكن يصر المجبر على صحة رأيه ومنها يصدقه المؤمنون به.

عندما يقول تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121 – البقرة)، ماذا يقصد بالتلاوة؟ هل هي التجويد أو القراءة أو أنه العلم ولذلك هم يؤمنون به لما وصلوا إليه من معرفة من خلال سبل شتى؟ والإشارة والقرينة لهذا المعنى موجودة في الآية 129 من نفس السورة المباركة: رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. التلاوة تقتضي التعلم والتعليم زيادة في الحكمة وتطهيرا للنفس.

يقول تعالى: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ ۖ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137 – البقرة). وهذه إشارة إلى أن الإيمان يؤدي إلى الهداية، وأن الهداية تؤدي إلى الوئام والوصول إلى نفس النتائج المعرفية، ولكن إذا تحول الأمر إلى شقاق، فاعلم أن المعنيين لم يؤمنوا ولم يهتدوا وأنهم سيظلون في شقاق حتى يضلون السبيل ويخسرون الدنيا والآخرة.

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26 – يس).



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات