» مدارس القطيف تتصدر التحول الرقمي في الشرقية  » 5 أيام إجازة براتب كامل عند وفاة أحد الأقارب حتى الدرجة الثالثة  » غموض حول أسباب إخفاق النقل الداخلي الموحد  » نجم «الرشا».. بداية مبكرة للصيف في الشرقية  » العباس (ع) ونصرة إمام الزمان (عج)  » سمو وزير الثقافة ورؤيته الثاقبة  » مسرح مفتوح مع مدرجات في تصاميم الواجهة البحرية بسنابس  » «الغذاء والدواء» تحذر من مكمل غذائي للنساء يُسوق بادعاءات طبية مضللة  » ربط دوام المعلمين بعودة الطلاب إلى مدارسهم  » 338 ألف موظف فوق الستين عاما يعملون بالقطاع الخاص  
 

  

سماحة الشيخ حسين المصطفى - 15/12/2018م - 7:27 ص | مرات القراءة: 261


{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.

في نموذج الحبشة (السابق) يتجلى قول الله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الممتحنة:8).

ونحتاج أن نقف حول مفهوم هذه الآية الكريمة:

يقول تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ...} -أي الذين لم يشنّوا الحرب عليكم لأنكم مسلمون وهم غير مسلمين، بل تقبّلوا هذا الخلاف الديني بينكم وبينهم بشكل موضوعي سلمي.

{... وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ...} -أيضاً لأنهم لم يخطّطوا من خلال ما يملكون من قوة لأن يخرجوكم من دياركم ويشرّدوكم من أرضكم، بل كانوا مسالمين يتعايشون معكم في وطن واحد أو في وطنين متجاورين، كما يتعايش المسالم مع المسالم..

{... أَنْ تَبَرُّوهُمْ...} -والبر هو الإحسان، وكلمة الإحسان هي من الكلمات الواسعة التي تمتد في كل العلاقات الإنسانية التي ترتكز على التعاون والتواصل والعطاء.

{... وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ...} -القسط هو الحقّ الذي للإنسان، فقيام الناس بالقسط هو أن يُعطى لكلِّ إنسان حقه ونصيبه، لذلك عليكم أن تتعاملوا مع هؤلاء على أساس العدل، فإذا كان لهم حق عليكم فعليكم أن لا تمنعوهم حقهم..

{... إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ}، أي العادلين.

وفي رحاب هذه الآية الكريمة، يؤكد الإمام السيستاني (حفظه الله) على جملة من الفتاوى المهمة:
1-  يحق للمسلم أن يتخذ معارف وأصدقاء من غير المسلمين، يخلص لهم ويخلصون له، ويستعين بهم ويستعينون به على قضاء حوائج هذه الدنيا.

2-  يجوز تهنئة الكتابيين من يهود ومسيحيين وغيرهم، وكذلك غير الكتابيين من الكفار، بالمناسبات التي يحتفلون بها أمثال: عيد رأس السنة الميلادية، وعيد ميلاد السيد المسيح (ع)، وعيد الفصح.

3-  يحرم على المسلم خيانة من يأتمنه على مال أو عمل، حتى لو كان كافراً، ويجب على المسلم المحافظة على الأمانة وأدائها كاملة.

4-  لا تجوز السرقة من أموال غير المسلمين الخاصة والعامة ولا يجوز إتلافها، حتى وإن كانت تلك السرقة وذلك الإتلاف لا يسيء الى سمعة الإسلام والمسلمين فرضاً، ولكنها عدّت غدراً ونقضاً للأمان الضمني المعطى لهم حين طلب رخصة الدخول الى بلادهم، أو طلب رخصة الإقامة فيها، وذلك لحرمة الغدر، ونقض الأمان، بالنسبة الى كل أحد، مهما كان دينه وجنسه ومعتقده.

5-يجوز التصدق على الكفار الفقراء -كتابيين كانوا أو غير كتابيين- بشرط أن لا ينصبوا العداوة للحق وأهله، ويثاب المتصدِّق على فعله ذلك.

من كل ذلك نفهم أنّ علينا: أن نحترم كلَّ حقوق هؤلاء وأملاكهم، ولا يجوز للإنسان أن يعتدي على مال شخص غير مسلم بحجة أنّ هذا الإنسان كافر وأنّ أموال الكفار مباحة لنا، كما في بعض الفتاوى التي يستخدمها من يذهبون إلى الغرب أو إلى الشرق بحجة أنّ هؤلاء كفار، فما داموا مسالمين لا يجوز لنا أن نعتدي على أموالهم أو نعتدي على أعراضهم.

وانطلاقاً من هذه المفاهيم، ومن هذه القيم وجدنا المسلمين يعيشون الرحمة في نفوسهم تجاه المختلف معهم دينياً وسياسياً، وقد تجلى ذلك في العصر الإسلامي الأول وحتى في الحقبات التي أعقبته، بما فيها تلك التي لم يكن الحكم إسلامياً بشكل صريح وحاسم.

ولذلك رأينا اليهود يتعايشون مع المسلمين في شكل طبيعي من دون أن يعترضهم أحدٌ إلا في الحالات التي كانوا يعتدون فيها على المسلمين، وفي حالات أخرى رأينا نوعاً من التعاون معهم كما في تجربة الأندلس، كما شهد العالم لشفافية المسلمين في التعاطي مع المسيحيين: {ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ}.

ويمكن لكل باحث أو مطّلع موضوعي وعلمي أن يجزم بهذه الحقيقة، وبأنّ المنظومة التشريعية والأخلاقية والقيمية الإسلامية لم تنطلق على أساس حماية وتحصين الواقع الإسلامي فحسب، بل لحماية الآخرين أيضاً ولتأمين أفضل العلاقات معهم، ولاحترام خصوصياتهم وأمنهم وواقعهم الخاص.

إنّ الإسلام يتطلّع إلى الأفق العالمي الواسع، وإلى الأمن والسلام العالميين كهدف من أهدافه الكبرى، وإلى الحوار الحضاري والعملي مع الشعوب كافة، ولذلك لم يرفض أي صيغة حضارية من صيغ اندماج المسلمين مع غيرهم، شرط الاحتفاظ بهويتهم وخصوصيتهم، وفي مقابل احترام المسلمين لأمن الآخرين وحركتهم وخصوصيتهم.

وهذا ما تجلى بصورة رائدة في وثيقة المدينة المنورة.

وثيقة المدينة الأسس والمبادئ:

كانت بداية التطبيق العملي لمبدأ التسامح ذلك منذ قدومه (ص) مهاجراً إلى المدينة المنورة، فعمل من أول وهلة على تأسيس الدولة الإسلامية؛ حيث أبرم (ص) في السنة الأولى من الهجرة النبوية وثيقةً أو معاهدةً بين المسلمين وطوائف المدينة، وهي الوثيقة السياسية الأولى، واشتملت على أربعة بنود رئيسة، وثمان وأربعين (48) فقرة في العلاقة والمواطنة والتعايش.

وهذه البنود هي:

البند الأول: الأمن الجماعي والتعايش السلمي بين جميع مواطني دولة المدينة.

البند الثاني: ضمان حرية الاعتقاد والتعبد.

البند الثالث: ضمان المساواة التامة لمواطني دولة المدينة في المشاركة الفاعلة في مجالات الحياة المختلفة، تحقيقاً لمبدأ أصيل تقوم عليه الدول الحديثة في عالم اليوم، وهو مبدأ المواطنة الكاملة. فضمن دستور المدينة هذا الحق لكل ساكنيها، في وقت لم يكن العالم يعي معنى كلمة الوطن بالتزاماته وواجباته.

البند الرابع: ترسخ إقرار مبدأ المسئولية الفردية، وأصل هذه المسئولية الإعلان عن النظام، وأخذ الموافقة عليه.

وعلى أثر هذه الوثيقة زادت رقعة معاملة المسلمين لغير المسلمين على عهد النبي (ص) على أساس مبدأ التسامح الذي فاضت به نصوص القرآن الكريم، وبينته السيرة النبوية قولاً وفعلاً بعد ذلك.

وتعد هذه المعاهدة الوثيقة الأولى التي احتوت على بنود محققة للمواطنة، وحقوق المواطنين وواجباتهم، من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

ونريد أن نقف على أهم الفقرات في هذا العهد النبوي:

1. "أنهم أمة واحدة من دون الناس" يقر فيه (ص) مبدأ الوحدة الوطنية بين ساكني الدولة الواحدة، فهم رعايا الدولة أو شعب الدولة في ذلك الوقت.

2. "وأنّ من تبعنا من يهود، فإنّ له النصرة والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم" ينص فيه (ص) على ضرورة مناصرة المواطنين غير المسلمين، والوقوف إلى جوارهم، تأكيداً لحقهم في ذلك على المسلمين ضد أي اعتداء عليهم.

3."وأنّ يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم: مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته" إعلان صريح للوحدة الوطنية بين طوائف المجتمع، قانونها العدل، دون الظلم والاعتداء، وعلى الظالم أن يتحمل عاقبة ظلمه.

4."وأنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" يقرر (ص) من خلاله مبدأ المساواة بين المواطنين من مسلمين وغيرهم في مؤازرة الدولة اقتصادياً حال محاربتهم للأعداء، كما يقر فيه ضرورة الموالاة والنصرة بين الطرفين ضد العدو.

5."وأنّ على اليهود نفقتهم، وأنّ على المسلمين نفقتهم" يقر فيه مبدأ التكافل الاقتصادي عند توزيع الأعباء الاقتصادية على فئات المجتمع بكل أطيافه.

6."وأنّ ليهود بني النجار... وأنّ موالي ثعلبة كأنفسهم" يقر فيه مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين ومختلف طوائف الدولة في كنف الدولة الإسلامية.

7."وأنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأنّ بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم" يحدد فيه أولويات المناصرة بين أهل هذه الصحيفة وبين أعدائهم الذين يحاربونهم، وهذا مفهوم عسكري دفاعي، مع توضيح ضرورة التعاون في إبداء الرأي والنصيحة والتشاور، وهذا مفهوم اجتماعي أصيل للمواطنة.

8."وأنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن" يمنع أي تعاون بين طوائف المجتمع وأعدائه، سواء في حماية النفوس أم الحفاظ على الأعراض والأموال.

9."وأنه لم يأثم امرؤ بحليفه" يوضح فيه بيان مبدأ المسئولية الشخصية وتقريره للفرد والجماعة على حد سواء، فكل إنسان مسئول عما اقترف، وهذا مبدأ من مبادئ الإسلام السمحة، أنه لا يعاقب الجماعة أو يؤاخذها بسلوك فرد، انطلاقاً من قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}، وقوله سبحانه: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ}، وقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}, وهذا غاية العدل والإنصاف.

10."وأنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة" أبلغ دليل من النبي (ص) على تحديد نطاق مفهوم المواطنة الجغرافي وانتماء المواطن لوطنه.

11."وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها" يقرر فيه قطع أي تعاون عسكري مع أعداء الوطن ومعاونيه في الظلم.

12. "وأنّ بينهم النصر على من دهم يثرب، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم" ينص فيه النبي (ص) على مبدأ أصيل من مبادئ المواطنة؛ وهو وجوب الدفاع عن الوطن، كما ينص على أنّ النصر يكون دائماً في حال الحق والعدل، لا في حال الظلم والإثم، فلا يعطي حق المواطنة للمواطن حق البراءة إذا ظلم أو أثم، لأنّ الدين الإسلامي يناصر الحق ويقف بجواره، وينهي عن الباطل ويواجهه.

هذا بعض ما قررته الوثيقة وبنودها من حقوق المواطنة منذ عهد النبي (ص)؛ إذ نصت على أنّ جميع المواطنين (مسلمين وغير مسلمين) يعاملون على أساس واضح من المساواة، فليس هناك مواطنون من الدرجة الأولى، وآخرون من الدرجة الثانية أو الثالثة، فاعتبار العقيدة لا وجود له، والجميع أمام الشريعة وأحكام الحقوق والواجبات سواسية لا فرق بينهم.

ومن ثم كانت هذه الوثيقة مثلاً أعلى للمواطنة أقرت بحقوق المواطنين في الوطن الواحد، وبينت أنه لا فرق بينهم في تحمل المسئوليات، وأنه لا حق لأحد أن يمنح شيئاً من التمييز على حساب الآخر، أو أن يفرق بينه وبين غيره على أساس عقدي أو عنصري؛ فالإسلام يقرر أنّ معيار التمييز والتكريم هو العمل الصالح وخدمة المجتمع والحفاظ على أمنه وسلامته.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات