» إنجاز 85% من مشروع «قُربَى» لشراء وتحسين مساكن الأيتام  » مهندسات سعوديات : 1600 مؤسسة توظف الأجانب وتتجاهلنا  » ثقافة الصراخ  » وردني سؤال هام ما الفرق بين الذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي؟  » هل تشكل العلاقات الافتراضية خطراً على الأبناء؟  » سعوديون يرفضون عروضا وظيفية لا تقدم إجازة  » 4 ضوابط لرفع حظر السفر عن الممارسين الصحيين  » الشرقية: إغلاق مركز حضانة يدرس منهجا غير مرخص  » «التعليم» تكشف حقيقة خطاب صرف مكافأة 50 ألف ريال لخريجي الجامعات  » قلة المراجعين تدمج مراكز رعاية صحية أولية  
 

  

سماحة الشيخ حسين المصطفى - 12/12/2018م - 1:18 ص | مرات القراءة: 323


{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}

إنّ هجرة الصحابة الأولى والثانية إلى الحبشة تمثل أصدق تواصل حضاري بين المسلمين، وغير المسلمين، وهي قبل أن تكون مثالاً راقياً في التعاون والتعايش والتسامح، بين الأديان السماوية، ستبقى مدى الدهر مفخرة لأفريقيا عامة، وللحبشة خاصة، لما امتازت به هذه الديار في عهد حاكمها العادل النجاشي (أسحمة) من عدل، وتقدير لحقوق الإنسان؛ فهي أول دولة في التاريخ الإنساني، تمنح حق اللجوء السياسي، لمن هاجر إليها واحتمى بها، من الاضطهاد الديني.

ونحن اليوم في بلادنا العربية والإسلامية، أشد ما نكون حاجة إلى إرساء قيم التسامح الديني، ونبذ العنف، والتعصب القومي، وبسط حرية الاعتقاد، وتقدير مكانة القيادات الدينية، وكرامة الإنسان، أياً كان انتماؤه المذهبي، والقومي، والعرقي.

نعم، كانت هجرة الصحابة إلى الحبشة بتوجيه من النبي (ص) لتكون هذه الهجرة عاملاً مهماً في توثيق عرى الترابط التاريخي بين الحبشة والإسلام، والحبشة والتاريخ العربي، إذ لا يمكن فصل الحبشة حضارياً وعقائدياً عن التاريخ العربي، والإسلامي، وهنا من المستحسن الإشارة إلى ما يراه بعض المؤرخين أهل السودان من أنّ هجرة الصحابة فراراً من أذى قريش واضطهادهم، كانت إلى السودان، وأنّ السودان هو المعني بقوله (ص): "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لا يُنَالُ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِظُلْمٍ، فَالْحَقُوا بِبِلادِهِ، حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا أَوْ مَخْرَجًا، مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ".

إنّ بلاد الحبشة المنصوص عليها في كتب السيرة النبوية، والتاريخ الإسلامي، كما يرى هؤلاء ما هي إلا بلاد السودان الحالي، الأمر الذي يفهم منه -إن لم ينص على ذلك صراحة- أنّ النجاشي الذي آوى الصحابة في هجرتهم الأولى، والثانية، ونعت النبي (ص) أرضه بالعدل، ما هو إلا ملك سوداني، وأنّ بلال الحبشي (رض)، مؤذن رسول الله (ص)، وأم أيمن بركة الحبشية، حاضنته، بعد وفاة أمه آمنه بنت وهب، ما هما في الحقيقة إلا سودانيان، بالمعنى الجغرافي المعروف.

وحدة أصل الأديان (الحبشة):

لقد كانت الحبشة مجتمعاً تدين بالمسيحية، وكانت مظنة العدل والحماية لكل من يلجأ إليه من المستضعفين وذوي الدعوات النافعة الصالحة، التي تبني ولا تهدم، وتحيي النفوس ولا تفنيها، وهذا ما دعا رسول الله (ص) أن يأذن لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة مخافةَ الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم، فكانت أول هجرة في الإسلام، وكان جميع من لحق بأرض الحبشة نيفاً وثمانين رجلاً وإحدى عشرة امرأة.

وحين نزلوا بالحبشة استقبلهم النجاشي خير استقبال وأحسن وفادتهم، فعن أم سلمة (رض) قالت: "لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ, جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ, أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا, وَعَبَدْنَا اللهَ تَعَالَى, لَا نُؤْذَى, وَلَا نَسْمَعُ مَا نَكْرَهُ" (مسند أحمد: ج 1 ص 202).

وكانت الحبشة متجراً لقريش فدرسوا طريقها وعرفوا ملكها النجاشي، ولذلك سعوا متفائلين في طلب من هاجر من المسلمين، وأرسلوا عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص، فحاولا استمالة النجاشي وتأليبه على تلك الفئة المسلمة توطئة لأخذهم وإعادتهم إلى مكة، إلا أنّ النجاشي رفض وقال لبطارقته:

"لَا هَا اللهِ ايْمُ اللهِ إِذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلَا أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي".

وعندما سأل النجاشي المسلمين، بيّن له جعفر بن أبي طالب في خطاب بليغ الحال التي وصل إليها أهل مكة من الانحلال الأخلاقي والديني، وأخبره أنّ الله تعالى بعث رسولاً من بينهم، يتصف بكل خلق حسن وخصلة حميدة، يدعوهم إلى الفضيلة وينقذهم من الرذيلة، ويأمرهم بترك عبادة الأوثان إلى عبادة الله وحده، وزاد جعفر:

"وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ؛ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ".

ثم تلا عليه صدر سورة "مريم"، تقول السيدة أم سلمة: "فَبَكَى -وَاللهِ- النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ".

نعم، فهذا الدين مصداق لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الأنبياء: 25). يدعو إلى التحلي بمحاسن الأخلاق والتواصل والتعايش مع الآخر في سلام، قال جعفر: "وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ".

بعد أن استمع النجاشي إلى كل ذلك قال: "إِنَّ هَذَا -وَاللهِ- وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ. انْطَلِقَا فَوَاللهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا، وَلَا أُكَادُ".

ولقد أراد الداهية عمرو بن العاص أن يغدر بالمسلمين عن طريق الحيلة والمكر، فقال للنجاشي: "إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا! فَأَرْسِلْ إِلَيْهِمْ فَاسْأَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ".

ووقف جعفر أمام النجاشي يستعلمه حال عيسى (ع) عندهم؟!!

فقال جعفر بن أبي طالب: "نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا: هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ".

تقول السيدة أم سلمة: "فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ،... اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي (وَالسُّيُومُ الْآمِنُونَ)؛ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرًا ذَهَبًا وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ". (وَالدَّبْرُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ الْجَبَلُ)

تقول أم سلمة: "فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ، مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ" (سيرة ابن إسحاق: ج 4 ص 193، وسيرة ابن هشام: ج 1 ص 224، ذخائر العقبى: ص 209 ، والخرائج للراوندي: ج 1 ص 133).

وفي ذلك إشارة للمسلمين في كل زمان ومكان، بأن يخاطبوا غيرهم بما يقربهم ويحببهم فيهم، لا كما يفعل المتشددون من السلفية في هذا العصر، ممن يلجأن إلى دول غير مسلمة ويصرِّون على التأكيد بأنّ أديان تلك الدول باطلة، ويحاولون فرض رؤيتهم للإسلام في تلك الدول غير آبهين لظروف أهلها وبيئتهم وعقائدهم التي نشؤوا عليها، مما يشوه صورة الإسلام في العالم، ويعطي مبرراً لمتعصبي الديانات الأخرى وكارهي الإسلام، أن يروجوا صوراً مغلوطة عن الإسلام والمسلمين.

إنّ نموذج الحبشة الرائع الذي ضربه المسلمون الأوائل في التعايش مع الآخر نبراسٌ للمسلمين في تعاملهم مع الأمم المختلفة التي يعيشون فيها، وهو دافع لهم كذلك إلى أن ينخرطوا في مجتمعاتهم الجديدة ويندمجوا مع تلك الأمم، غير مفرِّطين في ثوابت الدين وأصوله، تلك الثوابت التي تدعو إلى التعامل مع الآخر والتعايش السلمي معه، في إطار من المشاركة والعطاء، والعرفان والوفاء لذلك الآخر الذي استقبلهم في بلاده.

نموذج الاندماج والتواصل في الحبشة:

كانت علاقة الرسول (ص) والمسلمين مع النجاشي وأهل الحبشة علاقة ود واحترام ولين في الكلام، فالمسلمون احترموا أهل الحبشة ولم ينكروا عليهم دينهم، ولم يتدخلوا في شئونهم الداخلية إلا في مساعدتهم في إطار من التعاون والمشاركة والوفاء لجميل إيوائهم وحسن وفادتهم.

وفي ظل هذه العلاقة الطيبة كان النجاشي يبعث للرسول (ص) العديد من الهدايا تعبيراً عن تقديره للرسول:

فعن جابر بن عبد الله: "أَهْدَى النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ (ص) قَارُورَةً مِنْ غَالِيَةٍ".

وعن ابن عباس قال: "أَهْدَى النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ (ص) بَغْلَةً، وَكَانَ يَرْكَبُهَا، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ، فَكَانَ يَشْرَبُ مِنْهُ".

وفي مصنف ابن أبي شيبة، عن السيدة عائشة قالت: "أَهْدَى النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ (ص) حِلْيَةً، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ, فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ (ص) بِعُودٍ وَإِنَّهُ لَمُعْرِضٌ عَنْهُ, أَوْ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ وَإِنَّهُ لَمُعْرِضٌ عَنْهُ, ثُمَّ دَعَا بِابْنَةِ ابْنَتِهِ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ: تَحَلِّي بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ".

ولا شك أنّ الصحابة الذين هاجروا إلى الحبشة كانوا تحت رعاية النجاشي بنفسه وتحت نظره ليرى ما يفعلونه في حياتهم من عبادات ومعاملات، ولعل هذا ما أكد صدق كلامهم عنده في أول لقاء وقربه أكثر لمعرفة هذا الدين، ثم تبادل مع الرسول (ص) الرسائل والمكاتبات، وقد حمل بعضها دعوة رسول الله النجاشي إلى الإسلام، وردَّ عليه النجاشي بحب وتوقير وإقرار بأنه رسول الله حقاً، وأنه صادق مصدَّق، وختم ذلك بمبايعته له.

وهذا ما أكدَّه حرص الرسول (ص) على الصلاة عليه حين مات، حيث قال (ص): "مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ".

وروى الصدوق بإسناده إلى أبي محمد العسكري، عن آبائه، عن علي (ع) قال: "إنّ رسول الله (ص) لما أتاه جبرائيل بنعي النجاشي بكى بكاءَ حزين عليه، وقال: إنّ أخاكم أصحمة -وهو اسم النجاشي- مات، ثم خرج إلى الجبانة، وكبّر سبعاً، فخفض الله له كل مرتفع حتى رأى جنازته وهو بالحبشة".

كذلك نرى من خلال نموذج تعايش المسلمين في الحبشة كيف فرح المسلمون بنصر النجاشي على عدوه الذي نازعه في ملكه، وفي هذا تقول السيدة أم سلمة: "فَدَعَوْنَا اللهَ تَعَالَى للنَّجَاشِيِّ بالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ.. فَوَاَللهِ إنَّا لَعَلَى ذَلِكَ مُتَوَقِّعُونَ لِمَا هُوَ كَائِنٌ، إذْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ يَسْعَى، فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا، فَقَدْ ظَفِرَ النَّجَاشِيُّ، وَأَهْلَكَ اللهُ عَدُوَّهُ، وَمَكَّنَّ لَهُ فِي بِلَادِهِ.. فَوَاَللهِ مَا عَلِمْتنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطُّ مِثْلَهَا" (السيرة النبوية لابن هشام: ج 1 ص 334).

وردَّاً للمعروف لما قدم وفد النجاشي على رسول الله (ص)، كان (ص) يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك. فقال (ص): "إنهم كانوا يكرمون أصحابي وأحب أن أكافئهم".

كما فرح النجاشي بنصر النبي (ص) على مشركي مكة في غزوة بدر، فأرسل إلى المسلمين، فلما دخلوا عليه إذا هو قد لبس مسحاً وقعد على التراب والرماد، فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟! فقال: "إنا نجد في الإنجيل أنّ الله سبحانه إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعاً، وإن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهي أنّ النبي محمداً (ص) بلغني أنه التقى هو وأعداؤه بوادٍ يقال له بدر، كثير الأراك، وأنّ الله تعالى قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه" (الروض الأنف: ج 2 ص 116، والبحار: ج 18 ص 421).

وفي إطار هذا التعايش السلمي بين المسلمين وأهل الحبشة يذكر: أنّ جعفراً (ع) ولد له بأرض الحبشة ثلاثة أولاد: محمد، وعون، وعبد الله. وكان النجاشي قد ولد له مولود يوم ولد عبد الله، فأرسل إلى جعفر يسأله كيف أسميت ابنك؟ فقال: عبد الله. فسمى النجاشي ابنه عبد الله، وأرضعته أسماء بنت عميس امرأة جعفر مع ابنها عبد الله، فكانا يتواصلان بتلك الأخوة. (الروض الأنف: ج 4 ص 103).

وكما نجد أنّ المهاجرين اليوم إلى دول أخرى يفضلون الإقامة الدائمة في تلك البلدان، ما داموا آمنين مطمئنين على أنفسهم ودينهم، كذلك نجد أنّ فئة من الصحابة حبذت الإقامة في الحبشة حتى بعد هجرة الرسول (ص) إلى المدينة، حيث بقي منهم في الحبشة نحو خمسين أو ستين تحت حماية النجاشي.

قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ} (الممتحنة: 8)..

هذا النموذج الذي وضعه الإسلام للتعايش السلمي مع الآخر، قد طبقه المسلمون الأوائل حين هاجروا إلى الحبشة هرباً من اضطهاد مشركي مكة، فاندمجوا في المجتمع وتعاملوا مع الأحباش، وتاجروا معهم، وأخذوا وأعطوا، بل لقد دعوا الله تعالى للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، وفرحوا بنصرته، وتذكر بعض الروايات أن المسلمين قد تعاونوا مع النجاشي في حربه مع عدوه، ولعلهم رأوا في ذلك نصرة للحق وردا للمعروف.

فأن يكون المسلمون أقليَّة تعيش في مناخ من الأمن والعدل والحرية في ظل دولة غير إسلامية، فهذا النموذج أو هذه الحالة قد تبدو في القرن الثاني أو الثالث الهجري مجرد فرض مستبعد قيامه، وعليه فإنّ الفقهاء لم يستجيزوا التعامل معه أو تصوره؛ كي لا يكون تأصيل أحكام لمثل هذا النموذج فيه ذريعة للضعف،

ولكنّ الزمان قد استدار والواقع قد تغير وربما تحتاج الأمة إلى أن تعود لهذا النموذج مرة أخرى، فيتمسكوا بالسيرة العطرة لرسول الله (ص) ويطبقوها في واقعهم الذي يعيشونه، ليهتدوا به في تعاملهم مع الأمم التي يعيشون فيها، غير مفرطين في ثوابت الدين وأصوله.



التعليقات «1»

متأمل - القطيف [الأربعاء 12 ديسمبر 2018 - 9:10 ص]
احسنتم جناب الشيخ

رؤية مهمة جداً في التشريع الاسلامي غفل عنها الكثير من الأعلام في عالمنا الاسلامي والشيعي خاصة.
وخصوصاً في واقعنا المعاش اليوم مع مشكلة الهجرة للدول غير الاسلامية بسبب الاضطهاد والازمات السياسية والدينية في مجتمعاتنا الاسلامية.

شكرا كثيرا لكم

مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات