» 7 مسارات جديدة لبرنامج الابتعاث أبرزها الريادة و النخبة  » تفاهم بين 4 جهات لتوظيف 40 ألف سعودي وسعودية في 10 تخصصات صحية  » المرور تحدد 4 إجراءات تجعل مركبتك آمنة للأطفال  » "الغذاء والدواء" تلزم مستوردي التبغ بـ"الغلاف العادي"  » الربيعة: خفضنا مدة انتظار الحصول على موعد في العيادات الخارجية إلى 25 يوماً  » «الجوازات» توضح إشكالية سفر العاملة المنزلية التي قدمت للزيارة  » عودة مقرر الخط والإملاء للابتدائية في الفصل الثاني  » البرنامج الاستراتيجي للمجلس البلدي  » "الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي الاعاقة: عرض وتقييم"  » منع حرمان أي طالب من الاختبارات إلا بقرار.. والنتائج قبل 19 الجاري  
 

  

الدكتور محمد رضا نصر الله - 22/11/2018م - 2:30 م | مرات القراءة: 487


على غلاف أربعاء جريدة المدينة الماضي، ورد عنوان دلالي مثير.. يقول إن الدكتور غازي القصيبي، غادر "شقة الحرية"!

لقد ذكّرني هذا بتفسير الوزير الراحل د.فايز بدر لرواية غازي الأولى.. إنه لا توجد حرية خارج حدود الرواية!.. حيث خضعت مجمل قضايا المجتمع في المملكة والخليج للنقد التحليلي، بأسلوب روائي، زاوج فيه كاتبها بين أشكال التعبير المختلفة، مزاوجته للتناقضات التي عاشها جيله في الخمسينيات والستينيات، باحثاً عن قيمة الحرية على طرق أيدلوجية متباينة.. بل قل متصارعة، هي ما جعلت ذلك الجيل يعيش الحرية - تارة - في الانغماس الوجودي بلذائذ الشهوة - وتارة - مقتحماً الثالوث المحرّم، بحثاً عن الحرية في مظاهرة قومية، أو موقف أيدلوجي، تأكيداً لتحرر ذات مثقلة بتركات الماضي.

لقد شكلت "شقة الحرية" بانفتاحها غير المسبوق على المسكوت عنه في حياتنا.. نقطة انطلاق لمحاولات أخرى، تجرأت على ملامسة التجربة الوطنية.. صحيح ان الدكتور تركي الحمد - وهو تلميذ للقصيبي بالمصطلح التعليمي والمعنى الأدبي - افتقر إلى المهارة الفنية في صياغة قصصه، إلا أنه وضع يده على جروح عدة، ما كان له أن يقوم بذلك، لو لم يجد أمامه نموذجاً طازجاً بالقضايا، ومفعماً بالتعبير المؤثر.

** لم يكتف غازي بهذه التجربة.. فقد كثفها في رواية "العصفورية" بأداء نوعي فائق، مفجراً طاقته السردية، بسخرية مرّة عن اغتراب المثقف العربي، وقد أصيب بصدمة الاحتكاك مع الآخر.. وبين الجنون والعقل.. هذه المرة الثنائية تأتي من الداخل.. يستخدم غازي حيلاً فنية بارعة في بناء شخصياته.. مازجاً بين معاناة أخيه الراحل المتفلسف نبيل.. ومعاناة الأديبة اللبنانية مي زيادة، التي انتهت بها ظروف الحجر النفسي والاجتماعي والسياسي إلى مستشفى "العصفورية" في محاولة يائسة للعلاج من هذه الأمراض، المستحكمة بالنفسية العربية.

.. هذا وقد استفاد غازي من تجربة جويس في تيار الوعي، لكنه لم يتحرر من شاعريته، بل سيطرت عليه في قصه هذا.. حتى إنني وجدت شباباً يافعاً، يستظهر مقاطع طويلة من "العصفورية"!

حينما أنهيت قراءتها، هاتفت مؤلفها في لندن.. طالباً منه استكمال الجزء الثالث!! وبذكائه المعهود قال لي: أراك تشبهني بنجيب محفوظ، وكأن كل روائي عيال عليه!! هل تريد أن تسحب البساط من تحتي؟!..

أجبته: إن ثلاثية محفوظ هي رواية أجيال.. بينما "شقة الحرية" و"العصفورية" هما روايتا قضايا.. فإذا كانت الأولى تدور أحداثها حول بحث جيلك عن الحرية.. فإن الثانية تتمحور حول قيمة الذات العربية، وهي تعيش مصادمة حضارة القرن العشرين.. والمطلوب الآن ان تكتب شيئاً عن عودة الطيور المهاجرة إلى أوطانها.. لِمَ لا تكتب يا غازي عن قضية التحول الاجتماعي بعد عودتك وزملائك في السبعينيات، حيث قدتم التغيير من مدرجات الجامعة، إلى أعمدة الصحف، وبين أروقة الوزارة..

** فوجئت وهو يجيبني: إن المشروع جاهز في رأسي.. لكنه ليس على شكل رواية.. وإنما سرد لتجربتي الإدارية!! بعد ذلك بقليل قرأ السعوديون والعرب نادرته العجيبة "حياة في الإدارة" لم تكن قصة بالمعنى الفني.. لكنها لم تخل من هيكلها الأساسي "السرد" وإلا ما الذي يجعلك ويجعلني، نقدم على التهام أوراق هذا الكتاب البيروقراطي في موضوعه.. لو لم يكن السرد مستغرقاً في أسلوبه ومبناه.

إذن.. لماذا حاول أربعاء المدينة أن يوحي لنا بأن غازي غادر "شقة الحرية"؟!

لذلك سبب وجيه، في بال من صاغ هذا العنوان الذكي اللائق.. وهو ان غازي بمجرد تسلمه زمام وزارة من الطراز الثقيل.. سكت عن الكلام غير المباح.. فلم نعد نقرأ له ديوان شعر، ولا نستمتع بقصة من قصصه.. حتى وإن اتهمت جماعة سرديي نادي جدة الثقافي بعضها بالاستعجال..قد يصدق هذا احياناً إلا أن غازي ضعيف أمام لحظة الإبداع، فبمجرد ما يخطر في باله أول بيت من قصيدة، سرعان ما يستكملها، وما ان تومض في رأسه فكرة، أو ملامح تجربة قصصية، لا يدعهما تفلتان من قلمه الكبير الحجم!! لكن هل هذا يعني استعجالاً..

ان غازي مترع بالهموم والتجارب والآمال.. هو يفيض بكل هذا على الورق، لأنه استثمر معظم وقته قارئاً، ومتصلاً بقضايا المجتمع.. لهذا تفجرت موضوعاته الفنية كالمياه الدافقة من بئر عميقة.. كل هذا وهو لم يتفرغ يوماً للكتابة.. وإذ سألته في أول مقابلة تلفازية ،أجريتها معه سنة 1978م عن ضرورة تفرغ المبدع للكتابة.. نهرني.. مشيراً إلى تجربة نجيب محفوظ الثرية، رغم انه ظل في أروع سنوات عطائه موظفاً بيروقراطياً، لم يتأخر يوماً عن الذهاب إلى مكتبه!.. تذكر هذا يا غازي فأنت الآن في قمة عطائك الحر.


جريدة الرياض

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات