» تثقيف 300 متدرب بالجرائم المعلوماتية في تقنية القطيف  » تنازل النساء عن المهر أفضل لهن  » «إستوديو» تخطيط سريع لقضايا الرؤية الحضرية والعمرانية بالقطيف  » سجن مزارع انتحل صفة «عارضة أزياء» لمعاكسة وابتزاز شابة !  » في ضرورة حل أزمات الشرق الأوسط  » حالة مطرية تشمل معظم مناطق المملكة  » أنتَ طالق  » الشرقية: وفاة معلمة وإصابة أخرى في حادثة انقلاب  » إغلاق محلات بيع الحليب مجهول المصدر يطال جميع المناطق  » «هيئة الاتصالات» تحذر مستخدمي «واتساب» من رسائل احتيال  
 

  

سماحة العلامة الشيخ حسين المصطفى - 06/10/2018م - 6:56 ص | مرات القراءة: 222


// يقول الله تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء: 18-19).

لو أنَّ الله أراد إجبار عباده على شيء ما لما أجبرهم إلا على الهدى؛ {وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} (السجدة: 13). أي لو شئنا أن نلغي اختياركم، وأن نبدل هويتكم، وأن نلغي التكليف، ولو شئنا أن نلغي حمل الأمانة، وأن تكونوا كبقية المخلوقات مسيرين لما أجبرناكم إلا على الهدى.

ولو تأملت قوله سبحانه وتعالى {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ}، فالكلام هنا عن تأكيد ارتباط مصير الإنسان بإرادته، ثم يقول سبحانه: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ} فمصيرنا جميعاً في هذا الوجود ارتبط إذاً بما نريد؛ أحوالنا ومآلاتنا، سعادتنا وشقاوتنا، رضانا وغضبنا، فلاحنا وخيبتنا،... كلّها تتصل بما يريده الواحد منا في هذه الحياة..بحيث يحدد الله له النتائج السلبية أو الإيجابية في الدنيا والآخرة.

وقسمت الآيتان الناس إلى قسمين: مريد العاجلة، وهي الدنيا، بمعنى أنه ليس له هدف سواها، ومصيره ما ذكرت الآية: جهنم. ومريد الآخرة، الذي جعلها هدفه، وسعى لها سعيها، فمصيره ما ذكرت الآية.

فالجزاء إذن مرتب على (الإرادة) و (المراد).

إذاً، أخبرني ما هو مرادك وقصدك، أخبرك ما مصيرك وجزاؤك ..

وهذا المعنى تكرر في القرآن: {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} (الشورى: 20).

وهذا التقسيم الذي جعله الله -عز وجل- فارقاً بين السعادة والشقاوة، وبين الجنة والنار، بين الرضا والغضب، ارتبط بما يريده كلٌ منّا من حياته، وجعل الله سبحانه وتعالى مجرد إرادة الدنيا سبباً في حصول الخسران وحصول العذاب والغضب (مجرد إرادة الدنيا) ثم جعل إرادة الآخرة مقرونة بالسعي الذي يترتب على هذه الإرادة..

ماهي الدنيا وأين هي الآخرة منها ؟

منذ زمن ونحن نسمع الحديث عن (إرادة الدنيا) .. (أهل الدنيا) .. فهل هذه مذمومة؟ وما المقصود بالدنيا التي نتحدّث عنها؟!

هل هي الطعام والشراب اللباس؟

هل هي المركب أو المنزل أو الأثاث أو المال الذي يحصله؟

هل حصول هذه الأشياء يجعل أحدنا مريداً للدنيا فيكون بذلك متعرضاً للغضب؟

ثم ما المقصود من إرادة الآخرة؟

هل المقصود من إرادة الآخرة أن لا يكون لنا نصيباً بالدنيا أو صلة قط؟

هذه معان يترتب عليها منهج حياة نعيشه، ويترتب عليها شيء يسمى السير إلى الله سبحانه وتعالى.

وكل مَنْ في هذا الوجود مريدٌ؛ إمّا أن يكون مريداً للدنيا منقطعاً لها، وإمّا أن يكون مريداً لله ورضوانه.

فكيف نصل إلى الله عز وجل؟ وكيف ننال رضوانه؟

دعونا نفهم أو نتفهم المقصود من ضد ذلك؛ من الشيء الذي نهانا الله عنه إرادة الدنيا.

فما المقصود من إرادة الدنيا التي وصل التحذير منها إلى الحدّ الذي ينذر الله عز وجل العبد فيه أنّه بمجرد أن يريد الدنيا فهو مذموم؟

يقول العلماء: الدنيا هي كل ما وجد على هذه الأرض في هذا العالم مما تتناوله يد الإنسان.

وما دام الأمر يتعلق بما يريده الإنسان مما يتعلق بحياته في هذه الأرض فأين وجه الذّم؟! أن يتعلّق قلبك بأنّك تريد أن تلبس؟ وأن تأكل؟ وأن تشرب؟ وأن تنال سيّارة تركبها؟ هذه الأمور نالها أئمتنا والصحابة والتابعون والصالحون! فأين وجه الذنب؟!

المذموم من إرادة الدنيا:

اعلم أنّ الخطر في إرادة الدنيا أمران:

1. تعلق القلب.

2. انشغال الجسد بما تعلق به القلب.

بمعنى أن يعيش الإنسان في هذه الحياة وليس له مقصود أو هدف إلا أن يتمتع فقط بهذه الدنيا، وأن يعيش لها، ثم يترتب على هذا أنّ وقته وجهده وفكره وماله وجسده موظف لهذا المقصد، هنا تأتي الإشكالية ماذا يحتاج الإنسان من هذه الدنيا.

فعلاقة الدنيا والآخرة هي علاقة الطالب والمطلوب؛ ففي صحيحة هشام بن سالم، عن الصادق (ع) قال: "الدُّنْيَا طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ، فَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَهُ الموتُ حتَّى يُخْرجَهُ منها، وَمَنْ طَلَبَ الآخِرَةَ طَلَبَتْه الدُّنْيَا حَتَّى تُوْفِيه رِزْقَه" (الفقيه: ج 4 ص 293). أي: الدنيا طالبة للمرء لأن يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدر، ومطلوبة يطلبها الحريص طلبا للزيادة.

وفي معتبرة ابن بُكَيْر، عن أبي عبد الله (ع)، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ص): "إِنَّ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا إِضْرَاراً بِالآخِرَةِ، وفِي طَلَبِ الآخِرَةِ إِضْرَاراً بِالدُّنْيَا، فَأَضِرُّوا بِالدُّنْيَا فَإِنَّهَا أَوْلَى بِالإِضْرَارِ" (الكافي: ج 2 ص 131). ويومي إلى أنَّ المذموم من الدنيا ما يضر بأمر الآخرة فأما ما لا يضر به كقدر الحاجة في البقاء والتعيش فليس بمذموم.

حقيقة ما يحتاجه الإنسان في حياته:

ما هو الأمر الذي يجعل الإنسان يشغل وقته؟ ويشغل فكره؟ ويشغل جهده في هذه الحياة التي يعيشها؟

حقيقة ما يحتاجه الإنسان: طعام يقوِّي به بدنه على الحياة، ولباس يستر عورته ويكنّه من البرد، ومسكن يأوي إليه هو ومن معه؛ فهذه حقيقة ما يحتاجه كلُّ إنسان في هذه الدّنيا.

لما كانت هذه هي الأساسيات لكل ما يحتاجه الإنسان من الدنيا، ترتب على هذه الأساسيات أنّ عقل الإنسان وفكر الإنسان منذ زمن قديم انشغل بما يترتب عن هذه الثلاثة أشياء: (الطعام: فجعله يفكر في الزراعة والصيد ورعاية الماشية. اللباس: فجعله يفكِّر في غَزْل النسيج والخياطة. السكن: فجعله يحتاج إلى صناعة، وإلى عمالة).

هذه المتطلبات توسعت قليلاً، وجعلت الإنسان يحتاج إلى علاقة بينه وبين الآخر ليحصّل هذه الأشياء التي يريدها في الحياة. جعلته يفكِّر: أنا أحتاج أن أتعامل مع المزارع إن لم أكن مزارعاً.. أحتاج أن أتعامل مع الخيِّاط إذا لم أخط بنفسي .. أحتاج أن أتعامل مع البنَّاء ..

تطور العلاقات بين البشر وحاجاتهم:

هذه الحاجة بين الإنسان والآخر ترتّب عليها علاقات بين البشر.. وبطبيعة الإنسان البشرية، حصلت بسببها اختلافات في وجهات النظر، وتوافقات في وجهات أخرى.

بل تطورت هذه الاختلافات بين البشر، وتحولت أحياناً إلى نزاعات فيما بينهم وإلى خصومات أيضاً. وتحولت بعد ذلك إلى قتال.. فبعض القبائل يتقاتل مع الأخرى من أجل قطعة أرض فيها زراعة تصلح لمواشيهم.

وتطوّر الخصام والقتال اليوم وأصبح البشر يتكلّمون عن أزمة المياه، وعن أزمة الغذاء، وعن أزمة الطاقة.

وبطبيعة الحال فإنّ هذا النّزاع بين البشر وتصاعد الاختلافات بينهم ترتّب عليه حاجة جديدة متعلّقة بالدنيا وهي حل هذه النزاعات، أو تسويتها.

وترتّب على ذلك قوانين قضاء، وحكومات، ونظم يعيشها البشر مع بعضهم البعض.

هذه التطورات أثّرت في نفس كل إنسان؛ في نفسي أنا وفي نفسك أنت. وترتّب عنها أنَّ القلب والعقل صارا ينشغلان بالتفكير والتّدبير.. كيف أنال هذا وأحصل على ذاك؟ كيف التاجر الفلاني لا يغشّني في البضاعة؟ والتاجر كيف أنتزع المال أكثر؟ فصار الإنسان تمرّ عليه أوقاته وقلبه معلّق بشؤون الحياة ومعاشه. لإذن الخلافات بين البشر... على ماذا؟ على هذه الدنيا.

نشأ من جرّاء ذلك شيء في القلوب اسمه الكراهية بين الناس. وتطورت الكراهية فنشأ بسببها شيء اسمه الحسد فصار هذا يحسد الآخر: لماذا عنده كذا وليس عندي؟ ولماذا استطاع أن ينتزع مني كذا وكذا؟

ثم رافق الحسد أشكال أخر وهو (الكبر): وهو شعور يصاحب الذي يتقن تجاه الذي لا يتقن.. فالذي عنده حصيلة كبيرة من المال صار يشعر أنه أقوى وأقدر وأعظم وأجلّ من الذي ليس عنده هذا لمال. والذي استطاع أن يجنّد مجموعة من البشر حواليه صار يشعر أنّ له الفضل على غيره.. فصار يتكبر على الآخر.

فصار يحصل في نفس الإنسان شيء اسمه (العجب)، وهو الشعور بذاتي، وبتفكيري، وبعقلي، وبتدبيري، فبدأت الأمور تترتّب في نفوس البشر بناء على صلتهم بهذه الدنيا.

ومن ثَمَّ تطورت المسألة ولم تعد المسألة متعلقة بـ: كيف أجد طعاماً لأستمر في الحياة، ولباساً ليسترني ويقيني من البرد، وبيتاً يؤويني أنا وأهل بيتي. بل أصبح الإنسان يميل بتشهّيه؛ يريد هذا النوع من الطعام، وأصبح يشتهي ما عند غيره.

وكذلك الثياب.. تطوّرت من شيء يستر العورة ويكنّ من البرد إلى نوع من النظر إلى ما عند الآخرين.. فهذه الأنواع من الملابس صارت بسببها العقول والقلوب تنشغل بتمتع بهيئة من اللباس أكثر.

وصارت بسبب ذلك الأوهام تفكر في القيمة والابهار والألوان والأنواع وعدم التكرار..

أنظروا معي: كان الإنسان محتاجاً إلى مسكن يؤويه، ثم بدأ يفكر أكثر في تعداد الحجرات، ومكان للضيوف، وحديقة للتنزّه، وبركة للسباحة... إذن بدأت المسألة تتوسّع في شكل البيت ومنظر البيت، والديكور وأنواع الكاشي..

أيها الأحبة..

الإشكال ليس في الرخام، وليس في نوع البيت، سواء كان من الطين أو من الحجر أو من الرخام أو من الاسمنت.. والإشكال ليس في الثياب -لونها أخضر أو أحمر أو من قماش من صوف كذا أو قطن كذا أو من شركة كذا.. والإشكال ليس في الطعام، هذا ألذّ أو ذاك ألذّ..

كل الإشكال هو في تفاعلي أنا مع هذا..

تعالوا بنا نتأمّل: أكبر مشاكل العصر التي يعيشها الناس اليوم انبنت على ماذا؟ أكبر الحروب التي أريقت فيها الدماء اليوم في الأرض ما أصلها؟

إذا فتشنا ورجعنا إلى الوراء قليلاً: النزاعات الشديدة بين الناس اليوم، النزاعات بين الدول، بين الشعب الواحد في الدولة الواحدة، بين المجتمع أصحاب الحيّ الواحد، بين الأقارب والأرحام وقطيعة الرحم وما يترتب عليها، بين العاملين في المجال الواحد، تعالوا في البيت الواحد في الأسرة الواحدة، مشاكل الأزواج والزوجات، مشاكل نسبة الطلاق التي يتكلمون عنها اليوم مشاكل تشتت الأسر ضياع الأبناء...

هذه الإشكالات الكبيرة، لو بدأنا بهدوء نتأمّلها، فإننا سنرجع في نهاية اليوم إلى أنَّ الإشكالات الضخمة والكبيرة والعالمية والمحلية والاجتماعية والاقتصادية والأسرية ومشكلة كل واحد منكم لو فكر سنجد أنَّ المشاكل هذه ترجع إلى: نفس الإنسان (السعادة والشقاوة، الفلاح والخيبة، الرضا والغضب، الحزن والفرح، الراحة والطمأنينة، الانزعاج والبؤس) مرجع ذلك كله إلى نفس الإنسان.

ولهذا لما أقسم الله بمظاهر الوجود الشمس والقمر والليل والنهار والسماء والأرض جعل منتهى الأقسام كلها القَسَم بالإنسان {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} ما الذي ترتب عن هذا القَسَم؟ ما جواب القَسَم هنا {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. تتكلمون عن السعادة؟ عن فلاح الدنيا والآخرة؟ تتكلمون عن الخيبة؟ تتكلمون عن ماذا؟ المسألة فينا في أنفسنا لهذا نحن بحاجة إلى أن نجلس مع بعضنا البعض نتأمل ونتفكر في سيرنا إلى الله..

ففي حسنة جميل بن دَرَّاج، عن أبي عبد الله (ع) قال: مَرَّ رَسُولُ اللَّه ص بِجَدْيٍ أَسَكَّ (ولد المعز مقطوع الأذنين) مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ مَيْتاً، فَقَالَ لأَصْحَابِه: >كَمْ يُسَاوِي هَذَا؟" فَقَالُوا: لَعَلَّه لَوْ كَانَ حَيّاً لَمْ يُسَاوِ دِرْهَماً. فَقَالَ النَّبِيُّ (ص): "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذَا الْجَدْيِ عَلَى أَهْلِه" (الكافي: ج 2 ص 129؛ صحيح مسلم: ج 4 ص 2272 حديث 2957).

من أين تختلف نظرتنا للدنيا؟

فرق كبير بين مَنْ يأخذ اللقمة وهو يريد من هذه اللقمة أن يحافظ على أمانة الجسد الذي ائتمنه الله عز وجل عليه للحفاظ على هذه الأمانة وبين من يريد التشهّي والتمتّع، بمعنى أنك تريد عند أكلك لهذه اللقمة الطيبة التي ساقها الله لك أن تستخرج معنى الحمد من قلبك..

ويذكرون أنّ بعض العرفاء لما سئل: أتشرب الماء المبرد أم غير المبرد؟! -وكان بعض المتزهدين في عصره يتجنبون شرب الماء المبرد- فقال: بل أشرب المبرد، فسئل: لمَ؟! فأجاب: لأنه يستخرج الحمد من صميم القلب..

فأنت في شدّة الحرّ، أو تكون صائماً، وجاء وقت الإفطار، فعندما يأتي الماء وفيه شيء من البرودة مع شدة القيظ والحرارة وتشرب الماء المبرد كيف تشكر الله؟ تخرج الحمد من صميم القلب.. إذن المسألة ترجع لإرادتك..

ما الإشكال في أنَّ الإنسان يريد أن يتمتع من هذه الحياة فقط؟

ليس الإشكال بأن يتمتع، بل الإشكال أن يعيش الإنسان ويفرِّط في أمانة الهدف الذي خُلق من أجله، وأصبح ليس له هدف من هذه الحياة إلا أن يتمتع بالدنيا وهذا هو الضرر..

فالخراب الذي يعيشه العالم من إهدار لمقدرات الأرض التي نعيشها، ومن تباغض، ومن تحاسد، ومن حرب... مرجعه وسببه وأساسه أنَّ الذين تناولوا الدنيا تناولوها فقط من أجل أنفسهم..

والخطير في النفس البشرية أنَّ الإنسان إذا تعامل مع متع النفس ومطالبها فقط لأنه يستجيب لما تريده النفس يقع في مشكلتين كبيرتين:

المشكلة الأولى: أنَّ مرادات النفس لا تنتهي عند استجابة واحدة، ولن تكتفي بالاستجابة الثانية، بل هذ في طلب مستمر، ثم تصل إلى مستوى تفقد فيه التمتع في الشيء الذي كانت تتلذذ به، فتطلب شيئاً خارج إطار المعقول والمقدور..

ما الذي يجعل بعض النّاس يقوم بالتّدليس أو الغشّ أو الربا؟

وما الذي يجعلهم يسيئون إلى الآخرين أو يظلمون الناس؟ من أجل أن يحصّل على المال والشهرة و...

فما الذي يجعله يفعل ذلك؟ استجابة إلى أنّ نفسه اشتهت الزيادة، فهو يستجيب إلى زيادة شهوة نفسه (التكاثر)؛ والله سبحانه يقول: {ألهاكم التّكاثر} أي الرغبة في الزيادة، إذن المشكلة أنك مهما حاولت أن ترضي النفس فإنها لا ترضى، ومهما حاولت أن تمتعها فإنها تطلب المزيد..

المشكلة الثانية: كلما أردت أن ترضي نفسك، سعدت سعادة مؤقتة، ثم بعد ذلك تضمحل هذه السعادة مباشرة وتنتهي في الدنيا قبل الآخرة؛ لأنها تعلقت بسعادة أخرى. دائماً السعادة في النفس سرابٌ لا منتهى لها ولا تصل إلى حقيقة، بينما الذي ينتقل من مراد الدنيا إلى أن يكون مريداً إلى الآخرة ومريداً لله عز وجل، فإنه يتمتّع: يأكل أنواعاً من الطعام، ويلبس من أحسن ما يلبسه الناس إن تيسر أن يلبس، ويركب المركوب الحسن، ويسكن المسكن الحسن..

فما الفرق بين الاثنين؟

1 . أنّ هذا الفرد اقترنت متعه -في الدنيا- بالحمد، فوصل أنسه وفرحه ومتعته بالله، وفي الآخرة سيرى ثمرة الحمد عند وقوفه بين يدي الله: حمدتني وشكرتني وذكرتني فهذا هو ثوابك {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}.

2 . أنه سيكون مالكاً لزمام نفسه، ولن يكون مملوكاً لنفسه.

فلو بدأت النفس تزيغ، وتطلب شيئاً ليس له، وبدأت تزيِّن له ذلك، حينئذ قد تسرق وتغش وتخدع، فالمالك لنفسه لا يرتكب الذليل ويدع الجليل.

فكيف نحصّل هذه الهمة والرغبة في السير إلى الله، كيف نحافظ عليها، كيف تقوى عندنا، كيف نستجيب لها.

وإذا أقبلنا بهمة للسير إلى الله سنجد أنَّ أول مشكلة تقابلنا ذنوبنا معاصينا السابقة، أخطاؤنا مع الله ومع الخلق، وسنحتاج إلى التوبة.

ثم إذا تاب الإنسان، وأقبل على الله، سيجد أنَّ أهم شيء عنده هو قلبه، وسيجد أنَّ القلب قد أصيب بسبب المعاصي الماضية والأحوال الماضية بالأمراض، وهذه الأمراض تحتاج إلى تطهير..

ثم إذا رغب أحدنا في تطهير قلبه سيفاجأ بأنَّ أعماله الّتي يكتسبها -الجوارح البصر السمع النطق- تلوث القلب، فسنجد أننا بحاجة إلى ضبط جوارحنا أعمالنا حركاتنا سكناتنا، وكيف نستقيم على الطاعة في ذلك كله.

ثم اذا استقامت الأعضاء على الطاعة، وتخلصنا من أمهات المعاصي شعرنا بحاجتنا إلى الحفاظ على هذه الطهارة ظاهرة وباطنة.

وهنا يأتي حاجتنا إلى تصحيح الفرائض على أحسن حال واستقامة، وكيف يكون حضور قلوبنا مع الله، ونصيبنا من الذكر.

وإذا ما صححت الفرائض تأتي علينا أثناء الطريق جملة من خواطر ووسوسة الشيطان، ولن يتركنا نسير إلى الله دون إشكالات.

وهنا يأتي أهمية إعمال الفكر فيما يقرب إلى الله عز وجل.

ويجرنا ذلك إلى حاجتنا إلى مجالسة الصالحين الذين يعينوننا ويأخذوا بأيدينا ليدلونا إلى الله عز وجل.

(اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ، وَ اجْعَلْ سَلَامَةَ قُلُوبِنَا فِي ذِكْرِ عَظَمَتِكَ ، وَ فَرَاغَ أَبْدَانِنَا فِي شُكْرِ نِعْمَتِكَ ، وَ انْطِلَاقَ أَلْسِنَتِنَا فِي وَصْفِ مِنَّتِكَ) برحمتك يا أرحم الراحمين.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات