» 9 آلاف وظيفة للسعوديات في مدارس تعليم القيادة  » بلدية القطيف تطلق حملة لمكافحة اللوحات العشوائية  » %79 من المتسولين السعوديين إناث  » منع الصيدليات من تقديم عروض ترويجية لحاملي بطاقات التأمين  » بدء تطبيق غرامة 5 آلاف ريال لمخالفة «الذوق العام» غدًا  » «العمل» الشهادة شرط لاحتساب ذوي الاحتياجات بـ 4 في «المتوسطة»  » «الخدمة المدنية» تحدد بداية إجازة عيد الفطر  » قياس : إعلان نتائج التحصيل الدراسي الأربعاء المقبل  » فرغت فؤاده لحبك  » الحوسبة الفيزيائئة بتقنية المايكروبيت  
 

  

الدكتور محمد رضا نصر الله - 21/05/2018م - 3:10 ص | مرات القراءة: 578


يحلو لبعضنا أن يتسوق في شهر رمضان كما يتسوق في غيره!، فقد أصبحت هذه العادة واحدة من المتع النمطية، التي نمارسها وأهلونا في مجتمعات المدن الكبرى.

فهل هي عادة طارئة.. أم أن لها أصلاً في تراثنا الاجتماعي؟.

أنا شخصياً أزعم أن فكرة السوبر ماركت، رغم أنها مكتسبة من نشاط الغرب التجاري.. خاصة الأميركي.. إلا أن جذورها ضاربة في الأسواق الشعبية، التي تزدهر عند المسلمين عادة في رمضان، ففي ماضي الطفولة والصبا كنا نتردد من أول يوم في هذا الشهر الفضيل، على أكبر مساحة مفتوحة في الحي.. حيث نمارس عادة التسوق بقروشنا القليلة على معروضات الباعة والبائعات، من حلويات وأطعمة، وفواكه ومشروبات، وبيض وحليب.

يتخلل ذلك عروض جميلة من الألعاب الشعبية، كالركوب في العربات الخشبية، أو مكاسرة البيض.. أي إجراء مصارعة بين اثنين بالبيض النيء غير المسلوق!، فأنت تمسك ببيضة، ورفيقك يمسك ببيضة أخرى، ويتم اللعب بعد تجريب أول البيضة وآخرها، أو كما كان متعارفاً في لهجتنا.. تاه البيضة برأسها!، فيبدأ حسب اتفاق الاثنين من تحتها أو من فوقها.. ومن تنكسر بيضته يخسر الرهان!.

بينما تَمور في السوق المفتوح حركة ونشاط، وتفوح من زواياها روائح الفجل والكرفس، وتسمع في بعضها صوت غليان الكباب الشعبي، وهو يندلق في إناء كبير مليء بالزيت.. كباب مكون من الطحين والكراث والفلفل الأحمر، هو غير الكباب المصنوع في البيت من اللحم.

في هذا السوق.. سوف تجد أمامك كل ما يخطر على بالك، مما تشتهي النفس في رمضان، نأتي إليه بعد نهاية اليوم الدراسي، وفراغنا من الصلاة مع الشيخ في المسجد. وقراءة ما تيسر من القرآن الكريم، وترديد بعض الأدعية، ورشّ الوجه بماء الورد، منتشين بحالة روحانية صافية،

نفوسنا مطمئنة رضية، بينما بطوننا غرثى وأكبادنا حرَّى.. في جو لاهب تارة، وقارس تارة أخرى.. ما همنا جوع ولا عطش، صادحين بأصوات مضمخة بروائح الصائم الزكية بأن يتقبل صومنا، ويعفو عن ذنوبنا، ففي هذا الشهر يسجن الشيطان، وتطلق آمال المؤمن في نيل ثواب الخالق الأحد، ورضى الفرد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.. فالصوم هو لله سبحانه؛ وهو يجزي به.

هكذا نحن على هذا النحو صغاراً وصبياناً وشباباً، كل يوم حتى غروب الشمس، على امتداد هذا الشهر الكريم، إلى آخر يوم فيه، منسجمين مع أنفسنا، راضين قانعين بما قسمه الله لنا.

كل ذلك ونحن ما زلنا في "براحة الحليب" قبل أن تنقلب صفحة النهار، لتأتي صفحة الليل الرمضاني البهي بأصوات مقرئ القرآن في المجالس، مستمتعين بأطايب المأكولات من خبيص وهريس، منطلقين بعد صلاة العشاء في أزقة الحي، نلهو ونسمر، خارجين من هذا البيت، داخلين غيره،

في ألفة متواشجة من العلاقات الإنسانية، مزقتها اليوم حضارة القرن الحادي والعشرين.. حيث تدخل اليوم أسواق التبضع الكبرى، مشغولاً بنفسك، منسحباً إلى داخلك، مغترباً عن مجتمعك، يكاد الواحد منا لا يبادر بالسلام حتى على جاره.. وجوه مكفهرة عابسة، ونفوس همّها علفها! إذ كل شيء جاهز في السوبر ماركت، لكن بلا طعم ولا رائحة!.

ألا يحق لي بعد هذا، أن أترحم على أيام زمان في براحة الحليب؟!.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات