» الملحقية الثقافية في أميركا تحذر المبتعثين من زيارة مدن شمال المكسيك  » عطلة نهاية الأسبوع ثلاثة أيام  » كيف تكون مبدعاً ومشاركاً في الرفاه الاقتصادي والتطور الحضاري  » إطلاق خدمات "كريم باص" في المملكة  » والدة الطفل ضحية كلاب الأحساء تكشف تفاصيل الفيديو المروِّع  » «عين داروش» القديمة.. أشهر ينابيع القطيف  » التولي والتبري : هداية وغواية  » حنين  » منغصات الحياة لا تعني التعاسة  » عام على قيادة المرأة السيارة.. السعوديات: ارتحنا من السائقين  
 

  

سماحة الشيخ حسين المصطفى - 10/05/2018م - 11:01 ص | مرات القراءة: 615


كلمة الحظ وردت ـ كمصطلح ـ في النصوص الإسلامية بسهولة ويسر بعيداً عن محتواها الذي ألفناه في العصر الحاضر، فجاءت كلمة (الحظ) بمعنى النصيب:

يقول تعالى: {إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}(القصص: ٧٩).

ويقول تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}(المائدة: ١٤).

وفي الحديث: "وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا يناراً ولا درهماً ولكن ورّثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر"(الكافي: ج 1 ص 34 الحديث 1).

وفي حديث آخر: "أيما أهل بيت أعطوا حظهم من الرفق فقد وسع الله عليهم في الرزق، والرفق في تقدير المعيشة خير من السعة في المال..."(الكافي: ج 2 ص 119 الحديث 9).

والمراد أنّ الرفق يصير سبباً للتوسع في الرزق والزيادة فيه. وفي الرفق الخير والبركة، والسر فيه أنّ الناس إذا أرادوا من أحد الرفق أحبوه وأعانوه وألقى الله له في قلوبهم العطف والود.

وفي دعاء الإمام الباقر (ع): "ولا تبتلني بفقر أشقى به مضيقاً عليّ، وأعطني حظاً وافراً في آخرتي ومعاشاً واسعاً هنيئاً …".

ولما كان التشريع الإسلامي يؤّمن للمسلم طريق الأسباب والعلل من خلال السعي والاجتهاد كما يقول تعالى: (ليس للإنسان إلا ما سعى)، (إنّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)فالحظ أو النصيب أثر من آثار الأسباب، وليس منشأه أمراً خارجاً عن أسباب الأمور وعللها.

فلم يكن الحظ في أفكار المسلمين الأول إلا طريقاً من طرق الاختيار المتعلقة بالأسباب أو الهداية الالهية وكان ذلك نتيجة وعيهم وأدركهم لها، ولكن نتيجة للاتصالات المباشرة بالأقوام الأخرى ونتيجة عدم الوعي الكافي لهذه الكلمة استخدمت في طريق منحرف عن مسارها الصحيح، وبرزت فكرة الحظ كاعتقاد نفسي عند الكثير من الناس.

بل أولى به الأدباء والشعراء، وتغنوا به في مجالسهم وأصبح الحظ نقيضاً للعلم والعقل والسعي والاجتهاد…ولقد اعتنى علماء النفس بالحظ وجعلوه من أقسام الخرافة الذي يعرف بـ (سيكولوجية الخرافة) وجدولوه تحت خانة الفأل والصدفة، وأصبح للحظ قراؤه في الصحف والمجلات عبر شعوذة الفلكيين والمنجمين، وقلما تخلوا جريدة أو مجلة عربية من فقرة (طالع حظك) التي لا نصيب للعقل بها.

وقد أجرى الدكتور عبد الرحمن عيسوي تجاربه في ذلك على عينات كثيرة وشرائح مختلفة فرأى أنّ ربع العينة يؤمنون بمطالعة الحظ في الصحف والمجلات.

ويقول أحد أفراد العينة تلك: "لا يوجد شيء اسمه حظ وإنما النجاح بالعمل والجد والكفاح أما الحظ الذي أطالعه في الصحف فكثيراً من المرات يصدق، ولذلك أومن به".

ويقول آخر: "أنا أعترف، بل أومن بالنصيب والحظ، بالنسبة لي شخصياً إنه يفوق الكفاح بل أنه يغلب الكفاح في بعض المواضيع والمواقف الحساسة".

والحظ في نظر الاختصاصيين من أهل الحكمة والفلسفة والنفس واقع ذاتي صرف، يحدث إذ يحدث داخل الكيان الشخصي ويؤثر في سيرة صاحبه الشخصية.

نعم، نحن قد لا نقبل إلا بما هو محتوم، والمحتوم علمياً مبني على الرابطة بين السبب والنتيجة، وبين العلة والمعلول، أي أننا إذا عرفنا الأسباب أو أمكننا معرفة النتائج، وإذا أردنا حدوث شيء ما؛ أحدثنا أسبابه المحتمة أولاً لنصل إلى النتيجة المرغوب فيها.. هذا هو العلم، وهذا هو قانون السببية الذي نطبقه في حياتنا اليومية، وشؤوننا المعتادة…

إلا أنّ العالم لا يستطيع إنكار وقائع الحظ؛ لأنه موجود على سطح الواقع ولكن إدراك آلية الحظ قد تكون من العسر والصعوبة بمكان لأن هناك وراء كل واقع نفسي أو اجتماعي سلسلة طويلة من الأسباب ترابطت وتجمعت وتعاونت حتى أفضت إليه وحتمت وجوده أو حدوثه، ولكن كل حلقة من حلقات هذه السلسلة مستقلة بنفسها فلا يتاح للعالم الطبيعي إدراك آلية الحظ.

نعم، يمكن لعالم النفس أو الفيلسوف أن يدرك ما لا يدركه عالم الفيزياء والكيمياء في هذه المسألة لأنهم ألصق بالحياة الذاتية الداخلية من غيرهم، فالمسألة مرتبطة باللاوعي وذلك من خلال مسيرة الإنسان الذاتية وتلقيه الكثير من الايحاءات والأفكار التي يستقيها من ملاحظاته

وتأملاته الخاصة، بالثقة في النفس والرغبة في النجاح أو عدمها، بتعود الأخطار وخوض ميادين العمل، بالمعرفة الحسية وتكوين والعادات، بالقدرة على التكيف…وأخيراً بالمضي في تحقيق الامكانات التي يشعر المرء أنها كامنة فيه وحده ولا يشعر بها غيره.

إذن الحظ ليس أمراً كالمصادفة …كلا، بل هو نتاج مواهب وظروف ومبادئ وإمكانات وقواعد عامة ومعارف خاصة، وهذا لا يخرج عن قاعدة الأسباب والعلل إن قسناها بالميزان العلمي المحض.

هذا هو الجانب الحسن من الحظ ـ إن صح التعبير ـ أي أن نجعل للحظ ميزاناً عقلياً.

تتكلم امرأة ثرية قضت ثلاثين عاماً في شراء الأملاك المبنية وبيعها: "أنا أشعر دوماً هل النجاح يحالفني أو يند عني في صفقة أو عمل، عندما أكون منشرحة، ممتلئة النفس، أدرك سلفاً أنّ الزبون سيشتري. أحس إذ ذاك أني أمسكه، أني أسيطر عليه، وأنه لا يستطيع أن يفلت مني، ثم لا يمضي حتى يخرج معي إلى كاتب العدل .. أما عندما أكون متعبة وأشعر أنّ لي هموماً ثقالاً فيخيل للرائي أنّ الزبون يدرك حقيقتي ويعرف سري لأنه هو الذي يدير المناقشة ويوجهها…".

وأما الوجه غير الحسن لقضية الحظ هو ما يعتقده الكثيرون حيث يربطون الحظ بما يسمونه القضاء المحتوم وينشدون معرفته في طوالع النجوم وأوراق اللعب وفنجان القهوة…ويعطينا الشهيد المطهري صورة لانبثاق مثل هذه الأفكار السيئة فيقول:

"كانوا يعيشون في مجتمع أمضى أفراده أعمارهم يكدون ويكدحون ولكنهم لم ينالوا غير الفاقة والحرمان، وفي الوقت نفسه كانوا يرون من لا يعمل شيئاً مرفهاً ومعززاً، ومن لا يعرف شيئاً عالماً، ومن يتصف بالعقل ذليلاً. كل الذي رأوه هو أن ليس هناك تناسب بين الفن واللياقة والادراك من جهة، والحظ والحق والرخاء من جهة أخرى، لأنّ هذا هو ما رأوه في مجتمعهم، واتخذت هذه المشاهدات المنتزعة من مجتمعهم شيئاً

فشيئاً صيغة فلسفية باسم فلسفة الحظ، وأطلقوا اسم الحظ على كل هذه المظالم والتناقضات، بعلم أو بغير علم، ولكم أنحوا على هذه الفلسفة بالسب والشتم. إنّ فكرة الحظ وفلسفتها لا أصل لها سوى الظلم والجور وانعدام العدالة الاجتماعية. إنّ الذي ألهم هذه الفكرة الشيطانية هو الهرج والمرج والظلم الاجتماعي…إنّ الملهم الأول لهذه الفكرة الشيطانية ليس سوى انعدام التنظيم،

والتباين الذي لا موجب له، واعطاء الأولويات لغير مستحقيها، فعندما تتزلزل العدالة الاجتماعية، ولا يراعى لكل ذي حق حقه، بل يستعاض عن ذلك بالمحسوبية والمنسوبية والتحزب، يشتد ساعد أفكار كالحظ وأمثاله ويتسع نفوذه، وذلك لأنّ معنى الحظ هو ألا يكون شيء شرطاً لحصول شيء آخر"(احترام الحقوق وتحقير الدنيا: ص 11).



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات