» علاج يلوح في الافق لمرضى السرطان  » «الكهرباء»: فاتورة الـ 400 ريال تفصل التيار.. وعدم السداد يلغي «تيسير»  » تطوير الأحياء .. العوامية أنموذجًا  » 6 آلاف خريج جامعي: «التعليم» حرمتنا من التعيين  » التسـول الأنيـق!  » القطيف: مخالفات التأهيل تغلق 20 محطة وقود  » رسميا.. البلديات تمنع تقزيم الأشجار  » «الكهرباء»: الاشتراك التلقائي في «تيسير» بلا التزامات  » نقل ملف التوطين من العمل يخفض البطالة  » «التعليم» تعتمد الزي الرياضي للطالبات... و365 ألف طالب مستجد العام المقبل  
 

  

الاستاذ زكي ابو السعود - 16/04/2018م - 1:30 ص | مرات القراءة: 565


في 27 من فبراير الماضي كتبت على صفحتي في الفيسبوك مقالاً قصيراً (معاهد للموسيقى والمسرح ) تعليقاً على مقال

الأستاذ سلطان البازعي عن أوبرا عنترة وعبلة التي عرضت على مسرح جامعة الأميرة نورة بالرياض. وقد ذكرتُ في مقالتي تلك عن الحاجة والضرورة لتأسيس كليات ومعاهد عليا للفنون ، حيث يمكن لبنات وأبناء الوطن ممن رزقوا بمواهب فنية أن يلتحقوا بهذه المنشآت الأكاديمية لصقل وتطوير مواهبهم الفنية، ومن ثم التخرج كفنانين يسهموا في النهضة الثقافية لوطننا العزيز . ورغم أني كنت أتحدث تحديداً عن معاهد وكليات للموسيقى والتمثيل والأخراج المسرحي ،

ولكني لم أكن أعني حصرها في هذه التخصصات فقط ، وأنما لتشمل كافة أنواع الفنون كالرسم والنحت والتمثيل والأخراج السينمائي و غيرها من الفنون التي تقدم لنا متعة روحية وتمنحنا البهجة والفرح . فلهذا أصبح أنتاج وتقديم هذه الفنون صناعة يعمل فيها الآف البشر نساءً ورجال من مختلف الأعمار ، مما يجعل العمل في حقولها مصدراً من مصادر الدخل المحلي،و رافداً من روافد الدخل الوطني حين بلوغها درجة عالية من النمو والاتساع .

إن السعي نحو الرقي والتقدم والبحث عن الرفاهية (إعمار الأرض) خاصية انفرد بها الإنسان منذ أن خُلق على هذه الأرض. وبالتالي فأن من المسلمات المنطقية المنبثقة من السياق التاريخي لتطور البشرية عدم توقف شعوب الأرض دون استثناء عند خط واحد من التقدم الاجتماعي ، وسعيها المستمر عن كل ما يحقق لها النهضة والارتقاء بمستواها المعاشي ويجلب لها الرفاه والمتعة في حياتها اليومية، ويأتي الفن في مقدمة العمل الإنساني الجالب للمتعة الروحية للإنسان نفسه . بينما يمكن اعتبار عكس ذلك من الحالات الشاذة في مسار تاريخ الإنسانية ،سوى كانت نتيجة لعوامل داخلية أو ناجمة عن تدخلات خارجية . 

إن الاهتمام بتوسيع وتكثيف الأنشطة الأدبية والفنية بكافة مجالاتها ، ورعايتها من قبل الجهات الرسمية يحمل في طياته بلوغ مرحلة من الوعي المسؤول تجاه الارتقاء وتهذيب الذوق الجمعي للأمة، ويعد مؤشر اً على إدراك هذه الجهات واستيعابها للدور المؤثر الذي يمكن للثقافة أدباً وفناً أن يلعباه في التقدم الحضاري للبلاد . فالشعوب التي تتعاطى مع الأنشطة المعرفية والفنية ضمن سياق حياتها الاعتيادية من خلال الاستماع للموسيقى وارتيادها للمسرح والسينما والمعارض الفنية والندوات الفكرية والأدبية ،

أنما هي شعوب حية مجددة لنفسها ، وعلى درجة من الوعي والمعرفة تجعلها قادرة على رفض الخرافة ونبد الأفكار الظلامية الكارهة للفرح و الحياة البهيجة، لذا نراها تبحث دائماً عن التجديد وتشجيع الأبداع والمبدعين في مختلف المجالات الثقافية و الأنشطة الفنية .هذه الشعوب لا تتكلس ولا تقف عند نقطة واحدة من التطور الحضاري، بل هي في حالة من البحث المستمر والدؤوب عن كل ما يرفع من مستواها المعاشي ويجلب لها مزيداً من مصادر الرفاه في حياتها اليومية .

وبحكم الترابط الكبير بين الفن والثقافة والمستوى المعاشي للناس ، نجد أن هناك صلة جدلية بين التقدم الاقتصادي والعلمي وبين الرقي الفني والثقافي ، فكلما كان المستوي المعاشي للناس مرتفعاً كلما زاد اهتمامهم باستثمار الوقت في ابتكار مزيداً من وسائل وقنوات المتعة والفرح ، ومن جهة أخري كلما امتلك الشعب منتجات ثقافية وفنية متنوعة ومتجددة كلما زادت لديه الرغبة في الارتقاء بمستواه المعاشي والحياتي كي ينعم ويستمتع بما لديه من هذه المنتجات. 

تفعيل هذه العلاقة الجدلية لا يأتي تلقائياً ، وأنما هي في حاجة إلى محفز حيوي ليفعلها ، ينبثق من واقع الحرية المتاحة في المجتمع والمحمية بسلطة القانون. فالفن كما الثقافة كما العلوم الطبيعية ، لا يمكن لهم أن يتقدموا ويتخطوا ما هم عليه ، إلا حينما تزال عنهم قيود المنع والحجب والخوف من اقتحام المجهول . فالحرية هي إكسير الأبداع ، فهي التي تمده بالحياة والازدهار . وأي نشاط فكري أو ذهني وحتى تجريبي لا تظهر فيه مفرزات الأبداع، دون امتلاك المبدع للحرية التي تطلق إمكانياته وتفتح طاقاته. فلكي تزدهر الفنون و الحياة الثقافية بشكل عام ويبدع العلماء في مختبراتهم لابد لهم من الحرية . وهنا نتكلم عن حرية التفكير والتأليف و الاختراع والنشر والتنفيذ.الحرية التي لا يقيدها نمط التفكير القديم ، ولا تخضع لقواعد الأمس ، الحرية التي تحث الوصول إلى الغد وترفض القبول بالبقاء في الحاضر كقيد لا يكسر.

إذن نحن في حاجة للحرية لنرى الفن مزدهراً وملهماً ومحفزاً للخروج من الشرنقة التي مكثنا فيها سنين طويلة دون تحليق في عالم الأبداع والجمال. نحن في حاجة إلى فن نابع من وجدان رجل موهوب ومن امرأة سُجنت مواهبها في قفص العزل والتهميش والمحرمات المصطنعة . فكما هو لدى أغلبية شعوب الأرض ، ليس هناك فن شعبي (فولكلور) لا يشترك فيه كلا الجنسين. صحيح أن هناك أنواع معينة من الفولكلور يقتصر أدائها على جنس واحد ، ولكن ذلك لا يعني أن كل الفنون الشعبية مقصورة على الذكور وحدهم .

وإذ عشنا مرحلة طويلة من العزل بين الجنسين ، تسببت في وأد كثير من المواهب الفنية لدى المرأة السعودية ، وحصر النشاط الفني للمرأة بشكل كبير في مجالات الفن التشكيلي ، فقد آن الأوان كي نعطي للموهوبات من النساء المجال والفرصة لإظهار مواهبهن ، والاشتراك في النهضة الثقافية والفنية التي نحن مقبلين عليها. وهنا لا يمكن إلا أن نشيد بالأمر السامي الكريم القاضي بتشكيل مجلس إدارة للهيئة العامة للثقافة والذي ضم في عضويته نساء ورجال ، كمنعطف مهم في التخلص من عوائق الماضي ، والدفع نحو إشراك المرأة في رسم المسار الثقافي والفني السعودي القادم.

من نتائج زيارة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان لفرنسا ، الاتفاق مع الفرنسيين لإنشاء دار أوبرا في الرياض والمساعدة على تشكيل اوركسترا سعودية . وهو خبر مفرح بكل ما تحمل الكلمة من معنى . فحينما نتوقف أمام هذا الاتفاق ، ونطلق العنان لمخيلتنا ؛ كيف سيبدو مشهد الرياض بهذا المعلم الحضاري الجديد ، والمختلف عن كل ما بُني من قبل ؟ ، ونتخيل تلك النغمات العذبة التي ستملأ إرجاء هذا المسرح الكبير منبثقة من مختلف الآلات الموسيقية ، وخلفها عازفات وعازفون سعوديون ، وكراسي المسرح ممتلئة بجمهور سعودي من كلا الجنسين ، حينها سنعرف القيمة التاريخية لهذا الاتفاق ، واثره في الارتقاء بالذوق والحس الفني للشعب السعودي . وهنا يهمني أن أتوقف عند نقطة ـ- احسبها حساسة - ألا وهي توطين العازفين ، فتكوين فرقة

اوركسترا وطنية في بلد ليس به مدرسة موسيقى ليس بالأمر الهين ، فكما هو معروف أن الآلات الموسيقية في فرق الاوركسترا متنوعة جداً ( وترية و إيقاعية، النفخ الهوائية وآلات المفاتيح ) ، وان عدد العازفين قد يتخطى مئة عازف .. بالإضافة إلى الجوقة ( مجموعة من المغنين ) ، تبعاً للمقطوعة الموسيقية المعزوفة. كما أن هذه ألآلات عرضة للعطب وتحتاج صيانة ورعاية تقنية مستمرة .

فكيف سنوفر كل هؤلاء الناس ؟ هل سنلجأ إلى موديل الثمانينيات ،أي باستقدامهم من الخارج كما فعلنا عندما بنينا مصانعنا البتروكيميائية في الجبيل وينبع ؟. حينما لم نكتفي فقط بأن اوكلنا أعمال التشييد لعمالة غير سعودية ، بل جعلناهم يتولون أيضاً معظم مهام التشغيل والصيانة ، وفي نفس الوقت تركز عمل السعوديين في الإدارة والأعمال المكتبية والحراسة الأمنية .

لقد أثبتت الأيام أن لهذا النموذج عواقبه السلبية على سوق العمل المحلي ، فبدلاً من تهيئة الشباب السعودي معرفياً وتقنياً على إدارة وصيانة هذه المصانع منذ بداية التأسيس ، وتحمل تكاليف ذلك ، اخترنا الطريق الأسهل وأوكلنا هذه المهام لعمالة رخيصة . وها نحن اليوم نحاول جاهدين معالجة هذه المسألة للقضاء على الحالة الاتكالية التي أعاقت تقدمنا ،

وجعلت بلايين الريالات تتسرب لخارج البلاد .علينا أن نتعلم من هذه التجربة ونتجنب ما يمكن أن يفض لنفس النتائج . فكما ذكرت أعلاه فصناعة الفن يمكن لها أن تكون حقلاً من حقول العمل المثمر للعاملين فيها، ولكن دون أن نستعد لها ونهيئ انفسنا من خلال تأسيس المراكز والمنشآت الأكاديمية المختصة منذ الآن ، فلن يكون لدينا اوركسترا وطنية ، وسنبقى على حالتنا الاتكالية المدمرة للعقل الوطني والاقتصاد المحلي .

لم يتسن لي معرفة تفاصيل الاتفاق مع الفرنسيين حول تشكيل هذه الاوركسترا ، ولكن آمل أن يكون تأسيس معاهد موسيقية لتعليم وتدريب الفنانين السعوديين ضمن هذا الاتفاق ، بل وأن يكون بنداً رئيسياً فيه كأساس لتوطين العمل الموسيقي والمسرحي و الفني (بشكل عام ) . وهو ما يتسق مع توجهات وأهداف رؤية 2030، التي وضعت الثقافة كعنصر من عناصر التنمية.

وهذا ما يجعلني آمل بأن نرى تغيراً في برنامج الابتعاث ، بحيث تكون دراسة الموسيقي والفنون المسرحية ضمن التخصصات المسموح بدراستها ، وان تسمح وزارة التعليم للطلبة المبتعثين الراغبين بدراسة الموسيقى متى ما رغبوا في ذلك .

لقد أشار الأستاذ سلطان البازعي حينما كان رئيساً لمجلس إدارة جمعية الثقافة والفنون في مقابلة مع جريدة عكاظ في 1مايو 2017، بأن الجمعية وقعت مذكرة تفاهم مع معهد الموسيقى الهنغاري حول تخصيص عشرين مقعداً للسعوديين لدراسة الموسيقى ، وانهم في انتظار تفعيل هذه المذكرة من قبل الجهات المختصة . وقد يكون الوقت الحاضر ( أي بعد توقيع الاتفاق السعودي الفرنسي ) هو الوقت المناسب لتفعيل هذه المذكرة .

جانب ثان أيضاً نحن في حاجة لنعيره انتباهنا ونحن في بداية الطريق . فلكي تكون صناعة الترفيه والفنون بصورة عامة صناعة وطنية يعمل فيها بنات وبنات الوطن في جميع أرجاءه ، فنحن في حاجة لعدم اقتصار بناء هذه المنشآت على العاصمة وحدها . صحيح أن العاصمة في جميع بلدان العالم هي عادة ما يُبنى فيها دار الأوبرا الرئيسية ، وتجد فيها كبرى المسارح وقاعات الاحتفالات ،

ولكن بسبب خاصية المرحلة السابقة التي وضعت العصا في عجلة عربة التقدم الفني ، ومساعينا الآن لجعل العربة تنطلق بسرعة لتعوض عما فاتنا ، قد يكون من المفيد في هذا السياق أن يقام في المدن الرئيسية مسارح وقاعات احتفالات شبيهة بما سيُبنى في العاصمة الرياض . فمثل هذا التوجه سيساعد أصحاب المواهب الفنية في هذه المناطق على تطوير وصقل قدراتهم الذاتية من جهة ، ومن جهة أخرى سيتيح لسكان هذه المدن والمناطق القريبة منها الاستمتاع بعروض هذه المسارح ويسهم في الارتقاء بحسهم الفني وتهذيب مذاقتهم الفنية.

و قد يكون من المفيد هنا أن نستشهد بتجربة رعاية الشباب في بناء المدن والملاعب الرياضية الأوليمبية في كل منطقة ، مما أتاح لكافة رياضي البلاد ممارسة لعباتهم المفضلة في أماكن قريبة من سكناهم ، وهو ما أثمر عن بروز عدداً من المواهب الرياضية بين الشباب السعودي الذين اصبحوا مفخرة للوطن . ختاماً قد تكون هذه أماني مبكرة وسابقة لأوانها ، وهناك من سيقول انك تريد أن تبني سقفاًِ للدار قبل أن تبنى قواعدها ، ولكني أقول أنه إذا ما أٌريد لأي مبنى أن يكون سليماً و جميلاً ، فلا بد أن يكون لديك منذ البداية خارطة و تصميم لكامل المبنى وخطة واضحة للبناء. 



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات