» إلزام «المختبرات» بالتسجيل في «اعتماد»  » «التجارة» تدعو للتوقف «فورا» عن استخدام طرازات محددة من سلالم الألمنيوم «Werner»  » أحلامي ليست وردية !  » جهات حكومية تعتمد «البصمة» للحسم على الموظفين المتأخرين بالساعات  » رحيل «شيخ المؤرخين»  » توطين 98 % من «اتصالات القطيف»  » أخطاء التشخيص تتصدر مخاوف سلامة المرضى  » بلدية القطيف تصدر 13725 شهادة ورخصة  » القطيف: 68 مخالفة للعمل تحت الشمس  » «الصحة» تطلق أول صيدلية ذكية تعمل بالروبوت في المملكة  
 

  

سماحة السيد أمين السعيدي - 24/02/2018م - 3:30 م | مرات القراءة: 1088


🔘 الفصل الثاني: (أدلة التطبير بالعنوان الأولي الخاص):-
المبحث الثاني:

الدليل الأولي الخاص الأول (حادثة نطْح العقیلة عليها السلام جبينها بالمَحْمَل):-

● [4]- تحقيق شمولي لنصوص خَبر نَطْح العقيلة (ع) المَحْمَل:

🔘 أ- موضوعات الخَبَر:

فلْنُسَلِّم بأنّ المَحمل كما يقال للهودج يقال لغيره أيضاً، بأيِّ فرضٍ كان، سواء بفرض الاستعمال المجازي، أو بفرض الاستعمال التَّكافُئيِّ الحقيقي؛ إلا أنه يمْكن على كل من الوجهين أن يُجاب على الاستشكال المطروح القائل بأنه كيف حَملتم معنى المَحمل في كلام مسلم الجصاص على خصوص الهودج لا على غيره مع أنه يُطْلَق على غيره أيضاً؟!؛

فيُجاب عليه بأنّ هنالك -مَبدئيّاً- على أقل تقدير أربع قرائن تدل على أنّ مسلم الجصاص قَصَدَ بالمَحامِل خصوص الهَوادج؛ فيَتعيَّن مِصداق المَحْمِل هنا في الهَودج لا في غيره حتى لو ثَبتَتْ صِحّة قرينة واحدة منها فحسب؛ فالقَرائن الأربع هي:

🔸 القرينة الأولى لتفسير مقصود الجصاص (إطلاقات المقدّم):

إنّ مَراكِب الجِمال التي يقال لها ’’مُقَدَّم‘‘ في قِبال ’’المُؤَخَّر‘‘ هي خصوص الهَوادج، بينما رواية مُسْلِم الجَصّاص التي نقلها الشيخ الطُّرَيحي عَبَّرت بنَطَحَتْ زينبُ عليها الصلاة والسلام (مُقَدَّم) المِحْمَل. والمِحمَل -كما سَبق افتراضُه- يُطْلَق على الهَوْدَج وعلى غيره مِن مَراكِب الدَّواب كتلك التي تسمَّى أيضاً الرِّحَال -مفردها رَحْل- وتُشْبِه سَرْج الفَرَس؛ فيَكون لفظ (مُقَدَّم) في كلام مسلم الجصاص قرينة على أن مراده بالمِحمل هنا هو خصوص الهودج؛ إذ الهودج هو الذي له مُقَدَّم؛ فقد جاء في المعاجم اللغوية:

(قال أبو منصور في تفسير واسِطِ الرَّحْل ولم يَتَثَبَّتْه: وإنّما يَعرف هذا مَن شاهَدَ العَربَ ومارَسَ شَدَّ الرِّحال على الإبل، فأَمّا مَن يُفَسِّر كلام العرب على قِياساتِ الأوهام فإنَّ خَطأَه يَكثُر، وللرَّحْلِ شَرْخانِ وهُما طَرَفاه مِثل قَرَبُوسَيِّ السَّرْج، فالطَّرَفُ الذي يلي ذَنَب البَعير آخِرةُ الرَّحل ومُؤْخِرَتُه،

والطَّرف الذي يلي رأْس البعير واسِطُ الرّحل، بلا هاء، ولم يُسَمَّ واسطاً لأنه وَسَطٌ بين الآخرة والقادِمة كما قال الليث [يعني أنّ اللَّيْثَ اشتبه بتعليله سبب تسمية وسط الرحل واسطاً؛ كونه اشتبه بتقسيمه الرحل إلى ثلاثة أقسام: مُقَدَّم ومؤخَّر ووسط].

ولا قادِمة للرّحل بَتَّةً، إنّما القادمةُ الواحدةُ مِن قَوادِم الرِّيش، ولِضَرْعِ الناقة قادِمان وآخِران، بغير هاء، وكلام العرب يُدَوَّن في الصُّحْفِ مِن حيث يَصحُّ، إمّا أن يُؤْخَذَ عن إمامٍ ثِقة عَرَفَ كلام العرب وشاهَدَهم، أو يُقْبَل مِن مُؤَدٍّ ثقةٍ يروي عن الثقات المقبولين، فأَمّا عباراتُ مَن لا مَعرفة له ولا أَمانة فإنه يُفسِد الكلام ويُزِيله عن صِيغته؛

قال: وقرأْتُ في كتاب ابن شُمَيْلٍ في باب الرِّحال قال: وفي الرَّحل واسِطُه وآخِرَتُه ومَوْرِكُه[1]، فواسِطُه مُقَدَّمه الطويل الذي يَلي صدر الراكب، وأَمّا آخِرته فمُؤخرَته وهي خَشبته الطويلة العريضة التي تحاذي رأْس الراكب، قال: والآخرةُ والواسِط الشَّرْخان)[2]؛ يعني بمقدَّمه الطويل المَقعد الممتد الذي يَجلس عليه الراكب. وجاء فيها:

(قال أبو منصور: العرب تقول آخِرة الرَّحل وواسِطُه ولا تقول قادِمَته)[3].

🔸 نفي قَرينيّة هذه الإطلاقات:

والتحقيق؛ الصَّواب هو أنّ القرينة المذكورة مردودة؛ إذ أولاً في اللغة يقال لغير الهودج مِن مَراكب الدواب ’’مُقَدَّم‘‘، وقد رأيت في المعاجم اللُّغَوية ذُكِرَ ذلك كثيراً، غاية الأمر أن أبا منصور خالَف، بينما وَرَدَ في معجم العين: (الحِمَار: خَشَبة في مُقَدَّم الرَّحل تَقْبِضُ عليها المَرأة، وهي في مُقَدَّم الإكاف أيضاً)[4]؛ والإكاف -كما سيأتي- شَبيهة بسُرُج الأَفْراس أيضاً.

وقال صريحاً جاعلاً للرحل وسطاً ومقَدَّماً قِبال مؤخَّرِه: (قادِمة الرحل مِن أمام الواسطة)[5] و(سُمي واسِط الرحل واسِطاً، لأنه وسَط بين الآخِرة والقادِمة)[6]، وهاهو ابن فارس (ت: 395هـ) يَنقل:

(آخرة الرحل وقادِمَته ومُؤخَّر الرحل ومُقَدَّمه)[7] ويقول أيضاً في مادة حصر (الحِصَار وسادة تُحْشَى وتُجعل لقادِمة الرَّحل)[8] وقال في مادة قدم (وقادمة الرحل خِلاف آخرته)[9]، وفي مخصص ابن سَيده ناقلاً عن ابن دريد (قادمة الرحل مِن أمام الواسط)[10]

وفي موردٍ آخر (الحِصَار حَقيبة تُلْقى على البعير ويُرْفَعُ مؤخَّرُها فيُجعل كآخرة الرحل ويُحشى مقدَّمها فيكون كقادمته)[11] وفي موردٍ ثالث (واسِطتُه [يعني واسطة الرَّحْل] ما بين القادِمةِ والآخِرة)[12] وفي موردٍ رابع (تقول في قادِمِ الرَّحْلِ وآخِره القَوادمُ والأواخِرُ)[13]، وفي نفْس اللسان (قال اللَّيْثُ:

يقال وَسَطَ فلانٌ جماعةً من الناس وهو يَسِطُهم إذا صار وَسْطَهم؛ قال: وإنما سُمّي واسِطُ الرحْل واسِطاً لأَنه وسَطٌ بين القادِمة والآخرة، وكذلك واسِطةُ القِلادةِ، وهي الجَوْهرة التي تكون في وسَطِ الكِرْسِ المَنْظُوم)[14]، وقال في مادة قدم (قادِمةُ الرحل وقادِمُه ومُقْدِمُه ومُقْدِمَتُه، بكسر الدال مخففة، ومُقَدَّمُه ومُقَدَّمَتُه، بفتح الدال المشددة: أَمام الواسط، وكذلك هذه اللغات كُلُّها في آخرة الرحل،

وقال: كأَنَّ، مِن آخِرِها إِلقادِمِ * مَخْرِمَ فَخْذٍ فارغِ المَخارِمِ، أَراد مِن آخرها إلى القادم فحذف إحدى اللامين الأُولى .. وفي الحديث: إنّ ذِفْراها لَتكاد تُصيب قادِمةَ الرَّحل، هي الخَشَبة التي في مُقَدِّمة كَوْر البعير بمنزلة قَرَبوس السَّرْج. وقَيْدُوم الرّحل: قادِمَتُه)[15] ..؛ ولذا اعتُرِض على الجوهري في قوله (شَرْخا الرّحل: آخِرَته وواسِطته) بأنه (غلطٌ والصواب شَرْخا الرحل طَرَفاه. وقال صاحب الأساس [الذي هو الزمخشري][16]:

يقال لا يزال فلان بين شَرْخَي رَحْلِه، إذا كان مِسْفاراً)[17]؛ مع أن الجوهري في موردٍ آخر قال (الحِصَار: وسادة تُلْقَى على البَعير ويُرْفَعُ مؤخَّرُها فيُجعل كآخرة الرحل ويحشى مقدمها فيجعل كقادمة الرحل)[18] وقال (وفي قادمة الرحل ست لغات: مقدم ومقدمة بكسر الدال مخففة، ومقدم ومقدمة بفتح الدال مشددة، وقادِم وقادِمة.

وكذلك هذه اللغات كلها في آخرة الرحل. وقال: كأن من آخرها إلقادم مخرم فخذ فارغ المخارم أراد من آخرها إلى القادم)[19]. ولذا تلاحِظ ابن منظور قال في لسانه في نفْس ما نقلناه عنه أعلاه عن أبي منصور: بأنّ أبا منصور لم يَتَثَبَّت مما قاله في تفسير واسِط الرَّحل؛ حيث قال ابن منظور: (قال أبو منصور في تفسير واسِطِ الرَّحْل ولم يَتَثَبَّتْه: ...).

ثانياً حتى لو فَرَضْنا أنه لا يقال ’’مُقَدَّم‘‘ لغير الهودج؛ فلا يَمنع مِن قوله في غير الهودج مَجازاً واستعمالِه فيه كثيراً للشَّبَه أو للتَّضايُف المَفهومي؛ إذ للمؤخر مقدم وللمقدم مؤخر، بل وهذا يؤيِّد كون الرَّحْل له مقدَّم أيضاً؛ إذ اللغة قائمة على المَنطق العام وإن كانت جَعلاً اعتبارياً يُسمع من كلام أهل اللغة، والمنطق العام يُدرِك أن المقدم في قِبال المؤخر والعكس؛ فيَحضُر المفهومان معاً في الذِّهن بحضور أَحدِهما مَثيل الفوق والتحت واليمين مع اليسار ..؛

فأنت إذا قلت يمين فيَجيء في ذهنك معه مفهوم اليسار الذي ذاك يمينه، والعكس، وإذا قلت فوق جاء في ذهنك معه مفهوم التحت الذي ذاك فوقه، والعكس؛ فهذه المفاهيم ’’المقدم والمؤخر‘‘؛ ’’الفوق والتحت‘‘، ’’اليمين واليسار‘‘، ’’الأُم والابن‘‘ ..،

هي مفاهيم متضايفة تَستضيف بعضها في العقل بمجرَّد ذِكْرِ مقابِلِها حيث تُقاس لبعضها وتَحضُر في الذهن معاً؛ ولذا تجد ابن فارس في مقاييسه يقول في جذر أخر (الهمزة والخاء والراء أصلٌ واحد، إليه تُرجع فروعه، وهو خلاف التقدم. وهذا قياس أخذناه عن الخليل فإنه قال الآخر نقيض المتقدم)[20]. هذا ثالثاً، وهو عَوْدٌ على أوَّلاً.

ورابعاً لم أجد في المَعاجم ذُكِرَ للمِحْمَل والهودج مُقَدَّم؛ فإذا رُفِض في الرَّحل فيَجري ذلك أيضاً في الهودج بلا فارق، بل ومن باب أَولَى؛ وعِلّة الأولويّة هي أنه على الأقل في الرَّحل ذَكَرَتِ المعاجم كثيراً مُقَدَّمَ الرَّحل.

زِدْ عليه خامساً قد يقال إن الرَّحْل يُطْلَق على الهودج وأخرى يطلق على القَتَب؛ والقَتَبُ -مُفْرَد أَقْتاب- هو كما سيأتي مَرْكَب يُستعمَل للجِمال ويَكون كالرَّحل كسَرْج الفَرَس، لا أنّ الرَّحل في الجِمال دائماً شبيه السَّرْج فحسب، فهو -أعني الرحل- يطلق على الهودج ولو من باب كون الرحل قاعدة للهودج يُرَكَّب عليها الهودج، فيُنْسَب الهودج للرَّحل من باب نِسْبة الكل للجزء تماماً كقولك فلان كَسر الباب في حين أنه كَسر فقط عُروة الباب فنَسبْتَ الباب للعروة وسميته بها؛ فقد جاء في مقاييس اللغة:

(’’قتب‘‘ القاف والتاء والباء أصل صحيح يَدل على آلة من آلات الرِّحال أو غيرها. فالقَتَب للجَمَل معروف .. وأما الأَقْتاب فهي الأمعاء واحدها قتب [قِتْبُ وقَتَبُ، وقِتْبَةُ، بالهاء][21] وتصغيرها قُتَيْبةٌ وذلك على معنى التشبيه بأقتاب الرحال)[22]، وفي الصحاح عَرَّف الجوهريُّ القتب بأنه رَحْلٌ؛

قال: (القتب، بالتحريك [يعني القِتْبُ والقَتَبُ][23]: رَحلٌ صغيرٌ على قَدْر السَّنام)[24]، وفي معجم العين ومخصَّص ابن سَيده: (الخِدْر: سِتْر يُمَدُّ للجارِية في ناحية البيت، [ثُمَّ صار كلُّ ما واراكَ خِدْراً][25] وكذلك تُنْصَب لها [للجارية] خَشَباتٌ فَوْقَ قَتَب البَعيرِ، مستورةٌ بثوب، وهو الهَوْدَج المَخدور)[26].

ويسمى الرحل في اللغة غَبِيْطاً[27]، ويوصَف الغبيط أيضاً بأنه قاعدة للهودج؛ ففي الصحاح قال: (الغبيط: الرحل، وهو للنساء يشد عليه)[28]؛ يعني يُشَدُّ عليه الهودج؛ ففي اللسان: (الغَبِيطُ: الرَّحْلُ، وهو للنساء يُشَدُّ عليه الهَوْدَج)[29]؛ فهو بيان على أنّ الرَّحل للنساء قاعدة الهودج، ولذا جاء في اللسان: (الرَّحْل: مَرْكَبٌ للبعير والناقة، وجمعه أَرْحُلٌ ورِحالٌ .. والرِّحالة: نحوُه، كل ذلك مِن مَراكب النساء،

وأَنكر الأَزهري ذلك، قال: الرَّحْل في كلام العرب على وجوه. قال شمر: قال أَبو عبيدة الرَّحْل بجميع رَبَضه وحَقَبه وحِلْسه وجميع أَغْرُضه، قال: ويقولون أَيضاً لأَعواد الرَّحْل بغير أَداة رَحْلٌ .. قال الأَزهري: وهو كما قال أَبو عبيدة وهو من مراكب الرجال دون النساء، وأَما الرِّحالة فهي أكبر من السَّرْج وتُغَشَّى بالجلود وتكون للخيل والنجائب من الإبل .. قال الأزهري: فقد صح أن الرَّحْل والرِّحالة من مراكب الرجال دون النساء)[30].

بالتالي؛ فإن نفي المُقَدَّم عن الرحل نفي عن الاثنين؛ القتب وكذا الهودج، لا عن أحدهما دون الآخر، اللهم إلا أن يقال بأن هذا الخامس لا يصح باعتبار أن المراد في كلام أبي منصور هنا هو الرَّحْل الذي ليس بهودج؛ إذ وَصَف الرَّحل الذي هو كالسَّرْج؛ فنفي المقدَّم يكون عن ما هو كالسرج لا عن الهودج،

وكذا فإنّ كون الرحل قاعدة للهودج وكون القتب قاعدة للهودج لا يعني أنّ القتب هو نفس المَرْكَب المسمى رَحلٌ حقيقةً حقيقةً لنجري وصْف الرحل فيه؛ فإذا فُرِضَ أن الرحل لا يقال له مقدَّم فلا يَلزَم منه عدم قول ذلك في القتب حتى يُنفى المقدَّم عن القتب، بل ومع لحاظ حقيقة القتب لا يمكن إجراء صفة الرحل عليه من هذه الناحية ولو مَجازياً؛ 

إذ الوصف المجازي يتطلب وجود جهة تَناسُب بين الموصوف والموصوف به في نفْس جنبة الوصف التي هي هنا عدم المقدَّم، بينما القتب مَرْكَب فيه مقدَّم حقيقةً، والقتب قاعدة للهودج أيضاً؛ بالتالي ما يُطْلَق على القتب يُطلق ولو مجازاً على الهودج المنصوب عليه، وكذا فإنّ كون الغَبيط الرَّحل يُشَد عليه الهودج فهو بيان على أنّ الرَّحل قاعدة الهودج لا أنه ذات الهودج حتى يَأخذ الهودجُ حُكم الرحل بمعناه الحقيقي[31]،

وإنّ إطلاق الجزء على الكل هو إطلاق مجازي بينما كلام أبي منصور في صدد بيان معنىً لشيء منظور له منه بمعناه الحقيقي لا المجازي،

بل وإنّ إطلاق مسمى الرحل مَجازيّاً على الهودج لم يَحصل استعماله فعلاً في كلمات السابقين وإن كان يمكن تَسرية نفي المقدَّم عن الرحل إلى الهودج كون الرحل قاعدة للهودج، إلا أن الهودج قاعدته ليست دائماً هي الرحل حتى يُنفى عنه المقدَّم دوماً؛ إذ قد تكون القتب أيضاً، والقتب -كما عرفت- له مقدَّم ويمْكن إجراء وصفه على الهودج من هذه الناحية، كل هذا فضلاً عن أنك عرفت بأن الرَّحل له مقدَّمٌ أيضاً ..؛ فهذا الخامس إذاً لا يَنفع لنفي القرينة المذكورة؛ فدُونك الأمور الأربعة التي ذكرْتها لنفيها ففيها كفاية.

🔸 وأيضاً لحَلِّ مشكلة كلام أبي منصور يمْكننا القول:

لا يَبعُد أن يَكون نفي أبي منصور لمُقَدَّم المحمل حَصل عنده بسبب أن مؤخرة المحمل لغةٌ قليلة شَحيحة، فلَمّا لم يَسمعها بسبب قِلَّتِها وشَحَّتِها نَفاها؛ ولذا تجد الجوهري يقول في صحاحه (ومؤخرة الرحل أيضاً: لغة قليلة في آخرة الرحل، وهي التي يستند إليها الراكب. قال يعقوب:

ولا تقل مؤخَّرَة. ومؤخَّر الشيء، بالتشديد: نقيض مُقَدَّمه)[32]؛ فكأنّه -أعني أبا منصور- نفى المقدمة والمؤخرة نفي المفهومين المتضايفين معاً كنفي الأسفل حين لا وجود لأعلى ونفي اليمين حين لا وجود ليسار إلا أنه أَقَرَّ بمؤخرة الرحل في حين نفى مقدمة الرحل؛ لأنه سَمِعَ في كلام العرب مؤخرة الرحل رغم قِلَّتِها
ولم يَسمع في كلامهم بمقدمة الرحل مع فرض قِلَّتِها كمؤخرة الرحل أيضاً -حتى مع وجود ست لغات في قادِمة الرحل؛ إذ السِّت لا تلازِم كثرة التلفظ بها؛ وإنما تارة يراد بذلك ست على القياس اللغوي وأخرى ست بالاستعمال الوجودي بين الناس وثالثة كل من الحالتين، والحالات الثلاث لا تلازِم كثرة استعمالها في الكلام أيضاً-؛ فأَقَرَّ بمؤخرته ونفى مقدمته جاعلاً وسطه يقوم مقامها؛ ولذا في معجم العَيْن أُشيرَ لكل من اللفظين؛ حيث قال: 

(شرخ: شَرْخا الرَّحل: آخِرَته وواسِطته، ويقال: قادِمَته وآخِرَته)[33]، فافْهَمْ. بل وإنّ الرَّحل على أشكال؛ فأبو منصور لمّا وصَف شكلاً من أشكال الرحل أَشْبَه ما يَكون بالكُرْسي نَفى عنه المُقَدَّم، بل وإنَّ نَفْيَه لمُقَدَّم الرَّحل لا يَبعُد عن كون العلة فيه هو غَلَبة وجود هذا الشكل من أشكال الرَّحل في قُطْرِه وزمانه نظراً لاستعماله بغَرَضِه الخاص -كرَحْل- في نوعٍ مِن الإبل حيث شَفَّعَ كلامه ببنائه على ممارسة عملية لشدِّ الرِّحال.

لذا؛ يمْكننا تصحيح قول أبي منصور من خلال ملاحَظة خصوص هذا الشكل لا كل أشكال الرِّحال؛ فلا نَردُّ كلَّ كلامه، ويَكون التَّضايُف المَفهومي أيضاً متحقِّق في هذا الشكل لا يَبطل؛ إذ المؤخَّر بما هو مؤخَّر إنما قِيْسَ إلى المُقَدَّم فسُمّي مؤخَّراً؛ ذلك بلحاظ وجود المقَدَّم في غير هذا الشكل وكذا بلحاظ وجود المقدَّم أيضاً في هذا الشكل وجوداً تقديرياً لا بالوجود الواقعي؛
فنُفِي المقدَّم عن هذا الشكل لعِلة منطقية تَكمن في عدم صناعة مُقَدَّمٍ له نظراً لنوع الغَرَض المراد لاستعماله فيه، وإلا لو لم يكُن المؤخَّر سمي في هذا المَورد مؤخَّراً في قبال المقدَّم؛ لكان يَلزَم تسميته أي تسمية أخرى غير مسمى المؤخَّر؛ ولذا تَجِدِ العبارة تَضِيقُ عليك عندما تقول مؤخَّر فتريد بيان ما يقابله حينما تَتحاشَى عن نُطْقِ المُقَدَّم.
وكذا حتى لو فَرَضنا أنّ مَن قَسَّم -مِن المطَّلعين على لغة العرب- نفْس هذا الشكل مِن الرِّحال لمُقَدَّمة ومؤخَّرة واوسِط؛ فهو من جهة نَقَلَ ما تبانى عليه أهل العربية وسَمِعَه منهم في ظل أنّ منطق الناس لا يَأبى هذا التقسيم الثلاثي؛ إذ يمْكن للعقل أن يَصطَنِع مقَدَّماً لهذا الشكل بتجزئته لثلاثة أجزاء عُرفية؛ فافْهَمْ.

هذا بالنسبة للفظ الـ(مُقَدَّم) الوارد في عبارة الراوي أن السيدة زينب عليها الصلاة والسلام (نَطَحَتْ مُقَدَّم المِحْمَل)؛ فالأمر من هذه الناحية سهلٌ ولا يَصِحُّ الاستشكال به وجعلِه قرينة على كون مسلم الجصاص أراد مِن المَحامِل خصوص الهوادج، خصوصاً مع سعة اللغة واستعمالات العرف للألفاظ والمعاني؛ فهذه القرينة بمفردها لا تَنفع لتفسير مراده مِن لفظ المِحمَل؛ إذ قد يكون أراد به الهودج وقد يكون أراد به غيره،

إلا مع عدم سَماع المقدَّم فِعليّاً في الهودج بما هو هودج في ظل سَماع المقدَّم في الرَّحل والقَتَب ..؛ فإنّ هذا يَجعل الأمر بالعكس تماماً؛ حيث يكون -مع غض النظر عن غيره- قرينة على أنّ مسلم الجصاص قَصَد من المحمل مَركباً غير الهودج؛ فيَستلزِم بعد ذلك -مع لحاظ غيره- لوازِمه حسبما يَنتج من مجموع البحث؛ كالقول بحصول الاشتباه في نقْل ونَسْخ الرِّواية أو التزوير ...

🔸 القرينة الثانية لتفسير مقصود الجصاص (النِّسَب الرَّبطيّة):
يأتي إن شاء الله تعالى في الوقفة القادمة.


الهوامش:
[1] في اللسان لابن منظور في ج10 حرف الكاف فصل الواو مادة ورك ص511: (قال أَبو عبيدة: المَوْرِكُ والمَوْرِكة الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قُدَّام واسِطَةِ الرحْل إِذا مَلَّ من الركوب .. وقيل: الوِراك والمَوْرَكة قادِمة الرحْل .. وفي الحديث: حتى إِن رأْس ناقته لتُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْله؛ المَوْرِكُ: المِرْفَقَة التي تكون عند قادِمةِ الرحل يَضعُ الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله في الركاب، أَراد أَنه قد بالغ في جذب رأْسها إِليه ليكفها عن السير)، وفيه في ج11 حرف اللام فصل العين المهملة مادة عقل ص462: (يقال: اعْتَقَل فلان الرَّحْل إذا ثَنى رِجْله فَوَضَعها على المَوْرِك).
[2] المَصدر السابق: ج7 حرف الطاء المهملة فصل الواو جذر وسط ص431.
[3] المصدر السابق: ج12 حرف الميم فصل القاف جذر قدم ص469.
[4] العين، للخليل: ج3 حرف الحاء الثلاثي الصحيح باب 132 الحاء والراء والميم مادة حمر ص228.
[5] المصدر السابق: ج5 حرف القاف الثلاثي الصحيح باب 69 القاف والدال والميم مادة قدم ص123.
[6] المصدر السابق: حرف السين الثلاثي المعتل باب السين والطاء مادة وسط ص279.
[7] معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكريا: ج1 جذر أخر ص70.
[8] المصدر السابق: ج2 مادة حصر ص71.
[9] المصدر السابق: ج5 مادة قدم ص65.
[10] المخصص، لابن سيده: ج2 ق2 السفر السابع/ الرحال وما فیها ص140.
[11] المصدر السابق: المراكب سوى الرحال ص145.
[12] المصدر السابق: ج5 ق1 السفر السادس عشر/ ما يقال بالهاء وغير الهاء من الأسماء ص179.
[13] المصدر السابق: السفر السابع عشر/ باب جمع الرجال والنساء ص83.
[14] لسان العرب، لابن منظور: ج7 حرف الطاء المهملة فصل الواو جذر وسط ص431.
[15] المصدر السابق: ج12 حرف الميم فصل القاف مادة قدم ص469.
[16] أساس البلاغة، للزمخشري (ت: 538هـ): باب الشين جذر شرخ ص485.
[17] الصحاح، للجوهري: ج1 باب الخاء فصل الشين مادة شرخ ص424 هامش3 والاعتراض من الوانقولي.
[18] المصدر السابق: ج2 باب الراء فصل الحاء مادة حصر ص631.
[19] المصدر السابق: ج5 باب الميم فصل القاف مادة قدم ص2008.
[20] معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكريا: ج1 جذر أخر ص70.
[21] الصحاح، للجوهري: ج1 باب الباء/ فصل القاف مادة قتب ص198 - انظر النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين ابن الأثير (ت: 606هـ): ج4 حرف القاف/ باب القاف مع التاء جذر قتب ص11- لسان العرب، لابن منظور: ج1 حرف الباء فصل القاف جذر قتب ص660.
[22] معجم مقاييس اللغة، لأحمد بن فارس بن زكريا: ج5 جذر قتب ص59.
[23] انظر لسان العرب، لابن منظور: ج1 حرف الباء فصل القاف جذر قتب ص660.
[24] الصحاح، للجوهري: ج1 باب الباء/ فصل القاف مادة قتب ص198.
[25] المخصص، لابن سيده: ج1 ق4 السفر الرابع/ الستور ص75.

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات