» بلدية القطيف ترصد 10 ملايين لتأهيل السوق القديم بتاروت  » مخ المرأة لا يخلد للراحة مثل الرجل  » 3 آلاف ريال غرامة تجاوز الحافلات المدرسية عند التحميل  » خريجو الإدارة الصحية على بند «العطالة»  » سيهات تختتم فعاليات جميلتها  » الإرهاب يتسلل إلى المنظمات الدولية  » «التعليم»: لا حرمان إلا بقرار  » «البنوك»: لا ضريبة مضافة على القروض بأثر رجعي  » السماح للسعوديين بإكمال الدراسات العليا في البحرين  » «الضمان الصحي»: تطعيم الإنفلونزا مغطى ضمن منافع وثيقة التأمين  
 

  

الكاتبة زينب علي البحراني - 05/12/2017م - 8:15 م | مرات القراءة: 693


كان الفيلسوف البريطاني "برتراند راسل" مُحقًا عندما قال: "لن أموت أبدًا دفاعًا عن قناعاتي، فقد أكون مخطئًا"، إذ

أننا جميعًا كبشر نتدرّج على سلّم اخطائنا في رحلة بحثنا عن الطريق الصحيح للوصول إلى الحقائق، لكن هناك من يُكابرون ويتعصَّبون لوجهات نظر يُثبت لهم الزمن عدم صلاحها، وبهذا يُعاندون سُنة الكون في النمو والتقدم لأجل إرضاء "الأنا الزائفة" في أعماقهم، فيختار الكون محو آثارهم من سجلّ الوجود تطبيقا لقانونه الأبدي الذي ينص على أن "من لا يتجدد يتبدد"،

وهناك من يرون اخطاء الآخرين فقط بينما يظنّون أنفسهم مُنزهين تمامًا عن أي سهو أو خطأ، فتراهم يُهاجمون صاحب كل وجهة نظر يعتبرونها غير صحيحة بدل أن يُحاولوا تصحيحها بمُناقشتها والاستعانة بالتفاهم والإقناع والاقتناع بأسلوبٍ متحضّر مهذب، إذ لا شيء يجزم جزمًا قاطعًا أن وُجهة نظرنا تجاه قضية من القضايا هي الصحيحة دون شك أو ريب في عالمنا الذي بات مزدحمًا بتغيراته المتسارعة والانقلابات غير المتوقعة في موازينه،

واجتماع الأغلبية على وُجهة نظرٍ واحدة لا يعني أن وجهة النظر تلك صحيحة وكل ما عداها خاطئًا يستحق الشجب والإنكار والهجوم، وإلا ما الفرق بين انسان عصر الفضاء وانشطار الذرة وثورة الاتصالات وبين الإنسان الذي كان يُصر على أن الأرض مُسطحة وأن من يعتبرها كرويَّة مُستحقا للنبذ والإعدام في عصر "جاليلو جاليلي"؟!

لا رأي في زمننا هذا أو في أي زمنٍ آخر يستحق أن يحمل صفة اليقين، كل فكرة قابلة للشك وإعادة النظر، وإذا تم اختبارها اليوم لتؤدي إلى نتيجة معيّنة قد تتغير تلك النتيجة بعد إعادة التجربة في ظروف الغد مثلما كانت مختلفة في ظروف أمس،

لذا فإن من الحكمة أن يُفسح الإنسان مساحاتٍ من المرونة في قبول الآراء الأخرى على اختلاف توجهاتها كي لا يقع في فخ إزهاق روح الحق وإنعاش الباطل عن حُسن نية، وربما كانت المقولة العربية المأثورة: "رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب" مصداقًا لرؤية واعية تُدرك أن حدود لإمكانيات البشرية تجعل من إلمام الفرد بكل الحقائق الصائبة أمرًا مُستحيلاً، ولا بد من التنازل عن بعض غرورنا العنيد كي نستفيد مما يدور في عقول الآخرين.

كل البشر تتغير بعض آرائهم بمرور الزمن تجاه قضيّة أو أخرى، فعلى الصعيد الشخصي قد نحب اليوم شخصًا ثم لا نحبه بعد أيام، وقد نرى أن هذه المهنة هي الأنسب لنا قبل عام لكننا نعتبرها الأسوأ بعد أعوام، وفي الأسرة الواحدة يمكننا ملاحظة بعض التغيرات في أسلوب تربية الأبوين لأكبر ابنائهم ولأصغرهم؛ فبينما يتبنّون منهجًا قد يبدو أكثر تشددًا مع الأكبر؛ ينقلب تشددهم إلى لين متدرّج مع بقية الأبناء وصولاً إلى مساحات واسعة من التساهل مع آخر العنقود بعد تجربة نتائج خبرة تربيتهم السابقة،

وبإلقاء نظرة على صفحات التاريخ نكتشف سلاسل من تغيير وتطوير الآراء لمعظم العظماء من قادة ومُبدعين وعُلماء، إنها الطريقة الوحيدة للتطوّر والتقدّم ولا طريقة سواها للقفز نحو المُستقبل، انعدام المرونة تجاه آرائنا أو آراء الآخرين لا نتيجة له إلا التبلّد، ثم التجمّد، ثم التفتت والتبدد والفناء.

هل تذكر كيف كانت شخصيتك قبل خمسة أعوام؟ كم رأيًا غيرت؟ كم وُجهة نظرٍ اعتنقت ثم بدّلت؟ كم مرّة قرأت فيها كتابًا قلب موازين رؤيتك للأشياء؟ أو عرفت شخصًا أدت علاقتك به لنسف بعض الأفكار والمُعتقدات؟ أو زرت مكانًا أضرم الحرائق في أعماقك القديمة وغرس أزهارًا جديدة مكانها بعطرٍ مختلف؟ الآخرون أيضًا مثلك لكن مع اختلاف تجاربهم الذاتية شكلاً ومضمونًا،

اعتناق الآراء يُشبه الشهيق والزفير؛ تستنشق عقولنا رأيًا ثم تزفره لتستنشق آخر كي تستمر دورة حياتنا، ومثلما تعتبر أن لك حق التنفس دعهم أيضًا يتنفسون وتسامح مع ثاني أكسيد كربونهم لأنك أنت أيضًا تطلق ثاني أكسيد كربون لتعيش سواء شئت ذلك أم أبيت.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات