» بلدية القطيف ترصد 10 ملايين لتأهيل السوق القديم بتاروت  » مخ المرأة لا يخلد للراحة مثل الرجل  » 3 آلاف ريال غرامة تجاوز الحافلات المدرسية عند التحميل  » خريجو الإدارة الصحية على بند «العطالة»  » سيهات تختتم فعاليات جميلتها  » الإرهاب يتسلل إلى المنظمات الدولية  » «التعليم»: لا حرمان إلا بقرار  » «البنوك»: لا ضريبة مضافة على القروض بأثر رجعي  » السماح للسعوديين بإكمال الدراسات العليا في البحرين  » «الضمان الصحي»: تطعيم الإنفلونزا مغطى ضمن منافع وثيقة التأمين  
 

  

الحلقة (4) من (6)
المفكر جهاد عبد الاله الخنيزي - 05/12/2017م - 9:08 ص | مرات القراءة: 757


نفهم من حديث الفقهاء والأصوليين عن الفساد حين يصفونه بالبطلان، وما يقابل صحة الشيء، أو بفساد العقد وارتباطه بالخلل،

 وكونه ضد الصلاح، وأن حقيقته عدم الاستقامة، أنها تدلنا على وجود أرضية لفهم ما هو الفساد أولا ثم من تفسير علاقة وجوده في الواقع بوجود النهي من المُشَّرِع عن ارتكابه لأن الشرع له علقة متينة بالعقل وله علقة ضرورية بالمعقولات. 

وهذا أيضا جواب لسؤال كيف يتحقق الفساد في الواقع. فما يحدث أن الفاسدين يعملون على تفكيك الارتباط الضروري بين النهي والفساد كما يحدث بتغيير صفة في الخُلق كالنظر للكذب على أنه عادة طبيعية وعدم التأثم بارتكاب الممنوع لأن الكل يمارس نفس العمل،

أو الاعتقاد بوجود صفة حق خاصة بسبب نسبية عدم ملائمة النهي عن الفساد لما يقوم به من نوافع مثل الاستثمار أو تنمية الاقتصاد أو غيرها من المبررات التي ينشئوها الفاسدون لتبرير ما يقومون به. 

وكذلك يساعدنا على فهم ما قد يتم وضعه من تشريعات وعقود رخوة تسهل ممارسة الفساد، وإمكانية تهرب الفاسد من المسئولية وضمان وما تحت اليد حين تصدر الأحكام المخطِئة للفساد والفاسدين، ومنها الإجابة على سؤال كيف يمكن نقض أي فعل أو ممارسة أو عقد أو معاملة تتصف بالفساد أو فيها شبهة فساد. كل هذه ندركها إذا استوعبنا ضرر التفكيك بين النهي عن الشيء والمفاسد فيه.

وبالتالي نحن نقدم رؤية للتفكير السببي في مصادر نشوء الفساد وكيف يتم تحمل المسئولية وكيف تتم معالجته. فالأمور الثلاثة مترابطة وليست منفصلة. وهذا مهم في الفكر العقلي، وهو أحد طرق تحرير الإنسان من الشكوك حول تقابل المصالح والمفاسد تقابل الضدين فهناك معاملات مخلوطة بالفساد وليست كلها فاسدة، فالمعاملة إما صحيحة أو فاسدة أو مخلوطة بالفساد. 

يسمح هذا المنهج بحماية عالمي الأفكار من التزوير والأخلاق من التحريف، وصيانة صورة الدين للخلق الفاضل، والحاكم الفاضل، والدولة الفاضلة.

 كما نفهم أيضا أن استنكار الفساد استنكار لمسببات وجوده سواء في المعاملة الشخصية أو في المعاملة العامة، و اشتداد علة القبح كلما اتسعت دائرة تأثير الفساد في الشأن العام، ومن ذلك استنكار الشريعة لكل استغلال وتربح لا شرعي من الوظيفة أو النفوذ أو السلطة للتكسب على حساب الأمة أو الدولة

التي هي ممثل أعلى للأمة بدلالة أننا في الفقه أو العقائد نضع مرتبة العدالة شرطا في الخليفة والوالي ويسمى بالمصطلح الحديث  بالموظف العام ويراد منه تطبيق قواعد الحكم الرشيد والحاكم الرشيد والدولة الراشدة وأخلاقيات المهنة. 

كما أن الانتقال من العلة الشخصية إلى العلة العامة في الفساد أو توسيع الموضوع ليخرج من نطاق المعاملات الفردية أو الاجتماعية المحدودة إلى معاملات رعاية ملكية الدولة وحفظ الحقوق العامة للأمة كمنضوين تحت هيئة سياسية واحدة ليس صعبا عند الفقهاء

والمفكرين وأصحاب الرأي من حيث القواعد والأصول وتطبيق الأصول على الفروع ليتسع التطبيق وبالتالي يتسع المفهوم من فساد الفرد إلى الإفساد في الشأن العام. وقد عبر الطباطبائي عن هذا الفهم المشترك حين قال 

" وإنما هو الفساد المتعلق بالتشريع فإن الله إنما شرع ما شرعه من الدين ليصلح به أعمال عباده فيصلح أخلاقهم وملكات نفوسهم فيعتدل بذلك حال الإنسانية والجامعة البشرية، وعند ذلك تسعد حياتهم في الدنيا وحياتهم في الآخرة على ما سيجيء بيانه في قوله تعالى "(كان الناس أمة واحدة)" 

ويمكن فهم طبيعة العلاقة بين الفقهاء والمتصرفين في الشأن العام بأنها كانت نسبية بحسب معياري الصلاح والفساد فالفقيه يعبر في الغالب عن قيم الفضيلة وهو مبلغ لها ومبشر عن صاحب الشريعة، والمتصرف العام يملك قدرة التصرف بما له من قوة ونفوذ بحسب نوع ولايته وسلطتنه، والظلم هو العنوان الأبرز لأنه يحوي كل أنواع المفاسد، وإنما المفاسد هي تعبير عن آثار الظلم على الناس والأرض.

" ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ" الروم:41 

ولأن مهمة الفقيه حفظ الناس بالشريعة فقد نهض الفقهاء ليقدموا الفتاوى في كل هذه الشؤون حيث أن تراث النبي محمد (ص) وآل البيت (ع) والصحابة (رض) مليء بالنصوص التي تناهض الفاسد من قبيل ما نقل عن النبي محمد (ص)

" أخاف على أمتي من بعدي ثلاثا: حيف الأئمة وإيمانا بالنجوم وتكذيبا بالقدر"، " أشد الناس عذابا إمام جائر"، " إن الولاة يجاء بهم يوم القيامة فيقومون على جسر جهنم، فمن كان مطاوعا لله يناوله الله بيمينه حتى ينجيه، ومن كان عاصيا لله انخرق به الجسر إلى واد من نار يلتهب التهابا"    

وبالطبع أثرت هذا النصوص وأشباهها على علاقة الفقيه بالدولة من جهة وعلى قدرته على الاستنباط الضابط لفعل المتولي للوزارات والسلطنات. فحددوا ما يحق له وما لا يحق، وما يحق لمن يُولى من قبله وما لا يحق له، وحدود حق الأمة وما لها على السلطان وما له عليها. وهو بحث نجده في أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشروط انتصاب الإمام لصلاة الجمعة كمظهر لقيادته للأمة،

و الخراج وأموال الدولة، ونظريات اختيار الإمام والخليفة، وطريقة تفويض ما له من منصب لوزرائه وعماله، وكيف يعزل، وحدود الحق الذي له على الأمة، وحق الأمة عليه. هذه وغيرها مبثوثة في كتب الفقه والأخلاق والآداب السلطانية والتفاسير القرآنية. وتحمل داخلها الرؤية الكاملة لمنهج صلاح التولي والولاية وكيف تنتقضان بالفساد.



» مواضيع ذات صلة



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات