» طالب يشهر «رشاشاً» في مشاجرة مع زملائه  » تعزيزًا لدور الشراكة المجتمعية ... العطاء تتبرع بمستلزمات كبار السن لقسم الطب المنزلي  » العنف الأسري وتبعاته  » محافظ القطيف يستقبل أهالي وأعيان بلدة الخويلدية  » مقاربات فقهية وأصولية للفساد  » يوم الطفل من أيام الله ..  » مبتعثة سعودية تنال شهادة أمريكية لاكتشافها بروتين يثبط الإيدز  » «العمل»: 3 آلاف لمتدربي «تمهير».. و14 يوما مهلة لتوطين «الذهب»  » «الغذاء والدواء» تحذّر من «مشّاية طبية» بلا وكيل  » التخدير والعناية الحرجة وعلم الأمراض أكثر التخصصات ندرة  
 

  

علي الستراوي - صحيفة اخبار الخليج - 08/11/2017م - 3:30 م | مرات القراءة: 533


تكسر عبرها التابو المحرم وتنصف المرأة ضمن علاقة المرأة بالرجل

لم تكن صدفة هي التي قربتني من الأديبة الروائية السعودية زينب علي البحراني التي عرفتها عن قرب قبل بضع سنوات، امرأة شامخة وذكية وشفافة من مواليد الخبر سكان مدينة الدمام، قاصة وروائية وكاتبة مقالات ثقافية ومجتمعية، مُعدة استطلاعات صحفية بين حين وآخر، ولها أربعة كتب سابقة مطبوعة هي:

فتاة البسكويت- مجموعة قصصية.

مذكرات أديبة فاشلة- جانب من سيرة ذاتية.

على صليب الإبداع، عندما يُفصح المبدعون عن أوجاعهم- استطلاعات صحفية ثقافية.

هل تسمح لي أن أحبك؟ – رواية.

ولأن العلاقات الأدبية لا ترتبط بالصدف، بل بالشعور بالمسؤولية تجاه من يهمنا أدبهم، وحرصنا على اقتناء كل جديد لهم، لنقيس من خلاله عمق تلك العلاقة المتينة المبنية على التلاقح الفكري والتزاوج بين علاقات متعددة جلها هو التعاطي الإنساني.

وفي ظل اهتماماتي المتعددة للأدب واختلافاته وفنونه، كان الشعر والسرد أول خطوات عتبات انشغالاتي بالآخر.

ولأن السرد نشاط زماني ومكاني يبين كيفية إدراك السارد للوقائع والأحداث والاقتراب منها، بل تمثيلها في ظل تعاطيه الفني، على عدة محاور يكون الزمن أول اتجاهاتها عبر انحناءات تقترب وتبتعد بين عدة ظلال محورها الزمن والمكان والعلاقات السيسلوجية المتمثلة في البشر بما يحملونه من حكايات وقصص ذات علاقات مجتمعية، ذات وجوه متعددة متمثلة بالآخر وما يحمله من علاقات إنسانية. 

ومن الطبيعي أن الزمن ليس مقياسا متصل الحلقات الجامعة لتلك العلاقات المتمثلة بالآخر، يظل الواقع بما يحويه من تناقضات وانشغالات مثّلها إنسانٌ ذو شعور ترتفع بقدرة انتساب هذا الإنسان وما يرتبط به من علاقات بينه وبين الآخر.

عبر زمن سردي قد لا يسير في اتجاه واحد كما هو متعارف عليه عند أدباء السرد، لأن كل العلاقات متصلة بعضها ببعض عبر اتجاه واحد يسمى الزمن السردي.

زمن ترك العربة للسارد عبر نوافذ مشرعة تسمح بالتداخل والتراكب والتصاهر في ظل اندماج واحد، عبر زمن مرتبط لا ينفصل.

بهذه المقدمة أقف على آخر تجارب الأديبة والقاصة الروائية السعودية زينب على البحراني في روايتها الجديدة «لأني أحبها» الصادرة حديثًا عن منشورات «ألوان عربية» بالسويد. 

جاءت الرواية في 92 صفحة من الحجم المتوسط لتقود القارئ إلى عالم منشغل بعلاقات إنسانية، تخللتها وجوه رومانسية وأخرى مجتمعية لا تنفصل عن بعضها، بل تنحدر جميعها في وجع واحد هو الإنسان والمجتمع.

وجاءت لوحة الغلاف للتشكيلي هاني الحاج،التصميم مصطفى الجزار، والإهداء للشاعر الغائب الحاضر نزار قباني عبر قصيدة «هل عندك شك»، وبمقدمة تقدمت صفحات الرواية للروائية نفسها تحت عنوان: «قبل البداية» قالت عبرها: «قبل البداية قد يكون الأديب العربي هو الأديب الوحيد المضطر لتبرير نص من نصوصه لأن حالات الاحتقان المجتمعي والسياسي والإنساني التي نعيشها جعلت من المواطن العربي مخلوقًا متحفزًا لمهاجمة كل من لا يتفقون مع رأي من آرائه بغض النظر عن صحة ذلك الرأي أو عدمها، ما يجعل من كل نص مكتوب مشروع ذنب أو جريمة يسقط عليها المجتمع كل رغبته في الانتقام من دوافع تعاسته الشخصية.. الخ» لآخر المقدمة التي ترسم أو تعبر من خلالها البحراني عن القيمة في فعل ما تراه جميلا وما يراه البعض من المشوهين خروجًا عن التابو المعمول به وإن كان خطئًا.

في هذا الإطار من النسيج المجتمعي والذي لا تخلو أكثر المجتمعات منه عبر تناولها شيء من التابو المسكوت عنه والذي يعد التحدث عنه محرمًا.

و بين بطلي الرواية «كمال» و«جنّات» حاولت البحراني أن تفتح عدة نوافذ مجتمعية ومهمة وحساسة جدًا، والسكوت عنها قد تراه الراوية البحراني جريمة في حق المرأة والعلاقات الأسرية المتناقضة.

فالأحداث التي أثارتها الراوية عبر قصة الحب التي جمعت جنات بكمال في ظل لغة عاطفية انعكست بشكل خاص على قلب وعقل كمال وجنات والتي مثلت انعكاس لواقع رأت فيه البحراني مادة طرية ومهمة ركزت من خلالها على عدة قضايا، منها الزواج بأكثر من زوجه، وركض بعض الرجال وراء لذاتهم من دون الاهتمام لمحيطهم الأسري مما أضاع الأبناء وجعلهم مشوشين عاطفيًا، كتلك العلاقة التي جعلت من كمال محبًا لبنت جارهم جنات، وجنات ليس لها علمًا بهذا الحب، بل كانت الصدفة هي التي جعلت من جنات تنفصل عن كل شخص يتقدم لها بالزواج، بين مشاعر تكتظ وتصتك بعضها ببعض في صدر كمال الذي يدعو بقلبه أن تكون جنات من نصيبه، وبين هذا الصراع المتأزم ترسم الراوية معالم المجتمع الخليجي والعربي، عبر حكاية المسكوت عنه.

وبجرأة غير معتادة في هذا الجانب تركز الراوية البحراني على التفكك الأسري والذي سببه تعدد الزوجات، وعدم قيام العدل بين الزوجة الأولى والزوجات الأخريات، ما أنتج فقرا انعكس على الأبناء وجعل الأسرة في علاقتها ببعضها مشوشة.

كالصورة التي رسمتها الراوية عبر الحاجي حسين المتزوج من أربع نساء في ظل تجربة أثارت عبرها الراوية مشاعر إنسانية بين الرجل والمرأة وما صاحبتها من ردود أفعال حساسة جدًا ومكتظة في علاقتها بالآخر. 

تلك الصور التي شابت النص الروائي هي صور تحدث في أكثر المجتمعات المنغلقة على العادات والتقاليد وتابو الدين، وإثارتها قد تثير بعض الهواجس لكنها في اعتقاد لن تخطأ المبصرين والمتفتحين والذين يؤمنون بأن دور المرأة ليس سلعة وجرابا لتفريخ الأجنة.

وليس غريبًا على زينب البحراني إثارتها لمثل هذا التابو عبر قلبين التقيا أخيرا ضمن حادث مرض الجد ومحاولة نقله للمستشفى ما رأي فيها كمال فرصة سانحة للتقرب من جنات بنت جارهم، ومصارحتها بما يحس حيالها.

محاولة قادته للاقتراب منها فكانت هي الخيط الأول الذي جعلت قلب جنان ينبض بالحب، وجعلت من كمال البطل الذي كسر بانتظاره ودعائه المستمر أن تكون جنات من نصيبه.

وكانت خاتمة صبر كمال تلك العلاقة التي اكتملت بالحب والزواج من جنات.

بتلك النوافذ التي شرعتها زينب عبر أبطال الراوية، وما يحمله الصراع من مواقف سلطت الضوء عليها البحراني لتؤكد أن الدور المناط بالأديب عمومًا والروائي خصوصًا أن يكون صادقًا ويطرح ما يؤمن به هو لا ما يؤمن به الآخرون.

والجميل أن اختيار البحراني الدخول في عوالم الإنسان، كان موفقًا كونها امرأة ترى أن الحب سيد لمن يحكيه بصدق وينشغل به بعاطفة إنسانية محبة للآخرين دون أنانية تكسر ضلعا قالوا عنه «أعوج» وكانت الصور مشوشة لأن المرأة هي العطاء وهي المكمل الآخر للرجل، فمن يستطيع بناء أسرة أو السير في جماليات الحب من دون امرأة صادقة ومحبة؟ 

وقد شدني ما تقدمت به الراوية البحراني حين قالت في مقدمة روايتها: «لأجل أحلامي، ولأجل قرائي المفعمين بمثل تلك الأحلام فقط أطلقت هذا النص، أما ما عداهم ممن يطالبون كل كاتب أو مؤلف بما يشبه الاعتذار أو الشعور بالذنب وتأنيب الضمير على كل ما يكتُب لأنهم يرون غير ما يرى؛ فليس لأذواقهم العويصة هنا مكان. هذه ليست «رواية رائعة» ترضي أذواق مُحترفي الكتابة، بل مجرد كلام في الحُب الذي فقدناه وفقدنا أنفسنا بفقده، مجرد حكاية يستطيع أن يفهمها القارئ البسيط الذي أعتبره صديقي الحقيقي، ورهاني الأكبر».

في التابو الآخر للرواية، هو التابو الذي قيد المرأة وجعلها رخيصة، في ظل إيمان رجل بأن المرأة سلعة، مكانها البيت وتربية الأولاد والعمل بصمت وعدم الاعتراض، تلك المفاصل التي حددها المجتمع وكان الدين بريئا منها، لأن الإسلام كرم المرأة ولم يهضم حقوقها وفي سياق تاريخنا الإسلامي كثير من النساء الرائدات، وكما قال الروائي العربي الراحل الباقي نجيب محفوظ حينما تحدث عن المرأة، قال: المرأة – لا تجمع، كما الرجل تجمع رجالا، وهكذا تكون شامخة حتى في اسمها».

وأترك للقارئ اقتناء الرواية لأن فيها الكثير من الجوانب المهمة والصادقة والصادمة في آن واحد، ضمن أسلوب عاطفي حساس جدا في ظل مجتمع محافظ.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات