» هل للعشق قواعد؟ (1)  » استثناء لإعفاء النساء من بعض عقوبات المخالفات المرورية  » «جوازات الشرقية»: نظام النقطة الواحدة في جسر الملك  » ما عقوبة من يمس الحياة الخاصة عن طريق إساءة استخدام الهواتف؟  » «مركزي القطيف» ينقذ مريضة من مضاعفات خطرة  » القطيف: تطوير شارع ابن عوف خلال 4 أسابيع  » «العمل»: تطبيق سَعوَدَة الذهب بعد أسبوعين  » ما أرأفك يا رسول الله  » 2018 عام الزلازل المدمرة !  » أطباء سعوديون على «قائمة البطالة» لإشعار آخر!  
 

  

سماحة السيد أمين السعيدي - 08/09/2017م - 1:12 ص | مرات القراءة: 381


🔘 موجز عناوين الأبحاث المتقدمة وفهرست المنعقِد هنا:تَقدَّم من الأبحاث (المَدْخل) و(الفصل الأول)، تم بعدها الشروع بالفصل الحالي (الثاني)؛ وهو الفصل المتکفل بذكر وتحقيق

 (أدلة التطبير بالعنوان الأولي الخاص الصريح)، وقد تقدَّم منه المبحث الأول بـ(بيان ألفاظ العنوان) في مسألتين؛ كانت الثانية منهما حول الإجابة -إجمالاً- عن (هل الحُكم الأولي الصريح متوفر في التطبير أم لا؟)؛ فابتدأتُ المبحث الثاني بطرح (أول دليل أولي خاص)؛ والذي كان (حادثة نطْح العقیلة زينب عليها الصلاة والسلام جبينها بالمَحْمَل في الكوفة عند رؤيتها رأس أخيها الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام على الرمح)،

بدأتُ الكلام في الحادثة بـ((المطلَب الأول[1]-)) الذي هو ((بحثُ سَنَدِها)) باستحصاء جميع الكتب (المَصادر) ومجموعة شهيرة من الكتب (المَراجِع) التي ذكرَت الحادثة في صدد سَردِ الخبر ورواية أحداث الطف؛ ثم شرعت في ((المطلَب الثاني[2]-))

حول حادثة نطْح العقيلة عليها الصلاة والسلام المَحْمَل؛ والذي هو ((استقصاء واستعراض نصوص مَصادر الحادثة من هذه المَصادر الرئيسية))، وقد تمَّ ذلك بحمد الله تعالى في الوقفة السابقة، كما اتضح مما سبق أنّ سَنَد الخَبر ضعيف؛ لذا نحتاج للبحث عن علاج علمي لضعف سنده إن أمكن للاستفادة منه للتطبير؛ ففيما يلي أَشرع في ((المطلَب الثالث[3]-)) حول الحادثة؛ وهو النظر في إيجاد معالَجة لضعف سند خبر النَّطْح.

🔘 الفصل الثاني: (أدلة التطبير بالعنوان الأولي الخاص):-

المبحث الثاني:

الدليل الأولي الخاص الأول (حادثة نطْح العقیلة عليها السلام جبينها بالمَحْمَل):-

● [3]- معالَجة ضعف سند خبر نطْح العقيلة ’’ع‘‘ المَحْمَل:

● أ- حل مشكلة ضعف السند بقاعدة التسامح في أدلة السُّنن:

يَحق الإشكال فقهياً بما مفاده: لماذا لا تطبقون قاعدة ’’التسامح في أدلة السُّنَن‘‘ كما تطبَّق على كثير من الأمور الفقهية الأخرى التي تَحكمون باستحبابها أو كراهتها! لماذا تتشددون في الإسناد عندما تصلون لهذه الحادثة أو يقع التعامي عن القاعدة والفرار عن إعمالها؟!

فهذا الخبر وفْق هذه القاعدة يفيد استحباب التطبير فضلاً عن جوازه؛ ذلك لأنه صدَر من السيدة زينب عليها الصلاة والسلام المعصومة بالعصمة الصغرى والعالمة الغير معلَّمة بشهادة الإمام المعصوم والتي كانت تتحرك على طِبْق تعاليم ووصايا أخيها الإمام الحسين وتحت نظر الإمام السجاد صلوات الله وسلامه عليهما ..

الجواب: هذا البحث من الأبحاث المهمة في مجالنا، وللنظر في مدى صواب هذا الإشكال أتعرض لمجموعة أمور ضرورية كما يلي.

● ب- بيان قاعدة التسامح في أدلة السُّنَن:

هنالك قاعدة أصوليّة تُعَنوَن بعنوان (قاعدة التسامح في أدلة السُّنَن)؛ مفادها أن السُّنن الآتية عن رسول الله صلى الله عليه وآله من مستحبات أو حتى مكروهات -وفْق المبنى القائل بشمولها للمكروه- يَجوز العمل بها -أعني العمل بالمستحبات والمكروهات المروية عن النبي- على رغم ضعف سندها،

وهي قاعدة تؤسِّس لها أحاديث يطْلَق عليها مسمى (روايات مَن بَلَغ)، والتي بدورها تؤسِّس للتسامح في مسانيد المستحبات والسُّنن في الجُملة، وأن العمل بمضامينها يستوجِب نيل الثواب المذكور في كل سُنّة منها عند فعلها إن كانت تؤسِّس لمستحب وعند تركها إذا كانت تؤسِّس لمكروه؛ فمثلاً:

لو ورد خبر بسند ضعيف يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ينص -مثلاً- على أن من صلى صلاةً بكذا ركعات وكذا أذكار معيَّنة فله قصر في الجنّة وله من الرزق في الدنيا كذا مقدار؛ فإنّ هذا الخبر رغم أنه -حسب الفرض- مثلاً مرْسَل وسلسلة رجال سنده غير معلومة إلا أنه يجوز العمل به، وعند العمل به -بعنوانه مستحباً يجوز تركه- فإنّ الثواب المذكور فيه يترتب عليه ويكون للعبد ..

هذا هو بإيجاز معنى قاعدة التسامح في أدلة السُّنَن والمقصود منها. وقد اعتمدها الفقهاء قديماً وحديثاً في استنباط المستحبات والمكروهات؛ فأَفتوا ببَرَكتها باستحباب شيء أو كراهة آخر. وهذا الإفتاء هو إفتاءً بعنوانه الأولي استناداً لهذه القاعدة؛ أي منصوص عليه بعينه من الشرع مباشرة لا بلحاظ حُكم ثانوي جعلَ ذلك الشيء مستحباً أو مكروهاً.

وهي قاعدة –في الأساس- تَعبُّديّة مستنَدها منحصِر في الأدلة الشرعية التي هي -حسبما بيْن أيدينا- خصوص الروايات؛ وهي روايات حقيقةً كثيرة، روى جُملة منها الأساطين الأعاظم، كما ادُّعي أيضاً تواترها معنىً[1]، والتواتر -لفظياً كان أم معنوياً أم لفظياً ومعنوياً- يفيد اليقين؛ وهنا أَذكر من جُملتها الرواية الجليلة التالية بما تحمله من إشارات لما ذكرت:

روى محمد بن يعقوب الكليني عن شيخه أبي الحسن علي بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم القمي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام، قال: "مَن سَمع شيئاً من الثواب على شيء فصَنعه؛ كان له وإن لم يكن على ما بلغه"؛ أي من بلَغه أن الشيء الفلاني فيه ثواباً؛ فعَمل به؛ كان له الثواب المذكور لذلك الشيء وإن لم يَكُن في الواقع عند الله كما ذُكِر له.

هذا الخبر رواه أبو جعفر الكليني في كافيه[2]، وتناقلَته المعاجم الحديثية؛ حيث –مثلاً- نقله الشيخ الحر العاملي في وسائله[3]. كما نقله أيضاً ابن طاووس في إقباله عن نفس كتاب ابن سالم[4] الذي هو من الأصول السبعمائة الكبرى المعتمَدة عند أصحابنا المتَلقاة مباشرة من فم الإمام الصادق سلام الله عليه المدوَّنة عن طريق أصحابه والتي وصلت من ثم في زمن الإمام الكاظم والإمام الرضا عليهما الصلاة والسلام تقسيمياً وترتيبياً وتصنيفياً إلى أربعمائة أصل اشتهرت بهذا العدد

ومن ثم كذا إلى زمن الإمام العسكري سلام الله عليه قَلّ عددها بتنقيح الأصحاب لها تحت مِظَلّة الأئمة الأطهار عليهم الصلاة والسلام بقليل، ومن هذه الأصول كتاب هشام بن سالم، ثم تبدلت هذه الأصول إلى الكتب الأربعة المصنَّفة في زمن الغَيبة الصغرى وبدايات الغَيبة الكبرى والتي منها –أعني الأربعة- كتاب الكافي هذا.

وسَنَد هذه الرواية مِن رُتْبة الصحيح التي هي أعلى رتب الإسناد، بل هي صحيحة على مختلف المباني وفق التقسيم الحديث للأسناد؛ فالشيخ الكليني المتوفى 328هـ عاش زمن الغيبة الصغرى وعاصر سفراء إمام العصر عليه السلام الأربعة وتوفي قبل السفير الرابع علي بن محمد السمري، وكتابه الكافي يروى فيه مدح عن نفس الإمام الحجة أرواحنا فداه، وقد روى فيه الكثير من روايات الكتب الأصول المتقدِّم ذِكرها، فهو وشيخه القمي صاحب التفسير الشهير وثاقتهما فوق التوثيق وحدِّ الوثاقة،

كما أن شيخه علي بن إبراهيم من مشائخه من الدرجة الأولى ويكْثر عنه الرواية كثيراً، حتى روى عنه في معجمه هذا ما يقارب ثلث أحاديث كتابه الكافي، وهو أكثر من روى عنه فيه، وإبراهيم بن هاشم والد علي القمي وجه من أكابر وجوه الشيعة شأنه فوق التوثيق، وابن أبي أبي عمير هو العَلَم الفاخر والقُطب الزاهرِ الزاخر من أصحاب الإجماع المسلَّم بمَراسيلهم ولا ريب في تمامية وثاقته العالية، وهشام بن سالم صاحب أبي عبد الله الصادق عليه الصلاة والسلام هو الجواليقي نفسه الذي قال فيه النجاشي إنه ثقةٌ ثقة.

وغير ذلك من الروايات؛ من قبيل مروي صفوان عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: "مَن بلغه شيء من الثواب على شيء من الخير فعمله؛ كان له أجر ذلك وإن كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله"، وصحيحة هشام عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: "مَن بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء من الثواب فَعَمله؛ كان أجرُ ذلك له وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله لم يقله"،

ومروي محمد بن مروان عن الصادق عليه السلام القائل: "مَن بلغه عن النبي صلى الله عليه وآله شيء من الثواب ففعل ذلك طَلَبَ قول النبي صلى الله عليه وآله؛ كان له ذلك الثواب وإن كان النبي صلى الله عليه وآله لم يقله" ..[5]

فالقاعدة الأولية هي عدم حُجّيّة الظن بذاته إذا لم يدل دليل على حُجّيّته، فالأصل عدم الحُجّيّة، ثم جاءت أدلة قطعية تؤسِّس لحُجّيّة خبر الثقة، الذي هو أساساً ظنٌ، فجَعلَت خصوص هذا الظن الخاص معتبَراً لاستنباط الحُكم الشرعي في مختلَف الأحكام، إلزامية –حرام وواجب- أم ترخيصية –مستحب ومكروه ومباح-، منَجِّزاً للتكليف الآتي عنه ومُعَذِّراً عن الخطأ الواصل منه إن كان في علم الله تعالى مخْطِئاً،

فببركة أدلة حُجّيّة خبر الثقة القطعية والظن الآتي من طريقه خَرَجْنا فيه عن القاعدة الأولية التي هي أصالة عدم حُجّيّة الظن، وجاءت روايات التسامح في خصوص أدلة السُّنن –المستحبات والمكروهات- فأَسَّسَت لحُجّيّة حتى خبر غير الثقة الذي هو –أيضاً- ظنٌ من طريق آخر، فإمّا وسّعَت حُجّيّة الظن موسِّعةً مقدار رفْعِ اليد عن الأصل الأولي الذي هو عدم حُجية الظن، أو أَلغت شرط الحُجية لخبر الثقة في خصوص السُّنن ضعيفة الأسناد.

هذا؛ وقد وقع الاختلاف في وجه تَرتُّب الثواب في ’’أخبار مَن بَلَغ‘‘ ومَحَطِّه، على أنه هل هو ذات العمل بعنوانه الأولي -وهو مذهب المشهور ومختار صاحب الكفاية رحمه الله فيكون مستحباً بالعنوان الأولي- أم بعنوانه الثانوي أم يَترتب على العمل الذي بلغ عليه الثواب بما هو عمل صادر برجاء المحبوبية والمطلوبية فهو تَفَضُّل مَحْض من الله تعالى ..، إلا أنّ هذا وغيره من التفاصل -حاليّاً- ليس محل بحثنا، فيكفي هاهنا أن نَعرف المقصود بقاعدة التسامح هذه بالمقدار الذي يفي ببيان المَطْلَب، وقد اتضح لك المَقصد منها.

● مَزيدُ بيان، وكيفية تعامل الفقيه والمقلِّد معها:

قاعدة التسامح في أدلة السُّنَن، أكثر الفقهاء المتأخرين والمراجع المعاصرين لا يَقبلونها، والفقيه إنما يَذكرها للمكلَّف بناءً على إرادة المكلَّف العمل بها بنحو أنه مالك لرأي تجاهها أو محتاط فيما ينتج عنها؛ إذ التقليد تارة جزئي وأخرى مطْلَق، تماماً كما أن الاجتهاد كذلك؛ فالتقليد الجزئي هو في قبال الاجتهاد الجزئي، وكذا الاحتياط مفسوح لكل مكلَّف لبلوغ الحُكم الإلهي ..

فإنّك تجد قاعدة التسامح يشير لها كثير من الفقهاء في رسائلهم العملية –تُذْكَر عادةً للمكلَّفين في بدايات الرسائل العملية الأصولية المعاصرة في نهايات باب التقليد- تعليقاً على المستحبات والمكروهات التي سيَذكرها الفقيه خلال مسائل رسالته العملية بطولها بلفظ: أن كثيراً من المستحبات والمكروهات –السُّنَن- المذكورة هنا –

أي في الرسالة العملية- هي مَبنيّة على ثبوت قاعدة التسامح في أدلة السُّنَن؛ بمعنى أنه ليس بالضرورة هي ثابتة لديه، وإلا لَما خَصَّها بالذكر في رسالته الموجَّه للمقلِّدين دون غيرها من القواعد والأصول؛ فالقواعد كثيرة جداً ولا معنى لذكر هذه للمكلَّف دون غيرها إلا أن تكون للإشارة لهذا الأمر وبلحاظ تَنوُّع درجات المكلَّفين ..

● فإن تقول:

إذاً؛ لماذا لا يعَيِّن الفقيه كل حُكم كراهتي أو استحبابي يذكره في الرسالة العملية بأنه بناءً على القاعدة؛ إذ تقولون كثيرٌ من المستحبات والمكروهات هي مَبنيّة على القول بهذه القاعدة وليس كلها؛ فالمكلَّف العادي كيف يَعرف ما هو الذي استُحِب من تلك المستحبات والمكروه الذي حكم بكراهته في الرسالة بناءً على القاعدة وما هو المستحب والمكروه الذي حكم به بناءً على ثبوته بفتوى من طريق شرعي غير طريق قاعدة التسامح؟

فالفقيه لو لا يبني عليها؛ فيجب أن يصَرِّح لمقلِّده وأن يعَيِّن له الأحكام المستحبة والمكروه الناتجة عنها؛ كي يتمكن الملَّف من تشخيصها عن تلك المستحبات والمكروهات التي ثبتت عنده حُجيتها بدون القاعدة، خصوصاً أيضاً مع لحاظ الأبحاث العِلمية التي قد يجريها الباحث على أحكام الرسالة من طابع فكري وإن لم يكن فقيهاً مجتهداً؛

فهو –أعني الباحث- يريد أن يَتناول موضوعاً معَيَّناً من جنبة بَحثية أخرى، وما لم يشَخِّص الثابت عند الفقيه الفلاني؛ فهو لا يستطيع أن يَنسب المستحب أو المكروه الفلاني للفقيه بأنه حُجة عنده بعد اختلاط السُّنن الناتجة عن القاعدة والسُّنن الغير ناتجة عن القاعدة.

فالجواب:

وإن كانت هذه المسألة استطرادية لا ربط لها بموضوع بحثنا؛ حيث تتعلق بمنهجية الرسائل، وقد سبق أن أشبعتُ الكلام بها قبل سنوات في أبحاث مفصَّلة حول تدوين الرسائل العملية وآلية علاجها، فراجع هناك إن أردتَ واستزِد، غاية الأمر أَكتفي هنا بالقول:

إنّ الفقيه ليس شأنه أن يَكتب للمكلَّف المقلِّد فقط؛ فهو يكتب رسالته العملية بقصد أعم؛ ولهذا تكون أغلب مسائلها صعبة المنال على المقلِّد العامي، بل وكثير من المثقَّفين؛ إذ شرْحها وبيانها موكول للمبلِّغين المتخصصين أو المتمكنين القادرين على تفكيك مراداتها تمكناً صحيحاً بدراسة عند متخصص أو ما أَشبه، ومسألة التمييز بين السُّنن الثابتة بالقاعدة والثابتة من طريق حُجة آخر غير القاعدة، فهذه لا يتمكن منها إلا المجتهد،

والعلة في وضعها في الرسالة العملية دون تمييز هو نفس العلة التي ذكرتُها مِن تفاوُت درجات المقلِّدين بين مقلِّد جزئي مجتهد جزئي ومقلِّد مطْلَق، بنحو يكون ذاك المجتهد الجزئي متمكناً من التمييز بينها ولو بنسبةٍ ما تفي بوجاهة هذه العلة، وإلا فالرسالة أيضاً مكتوبة لمطلق مستويات المجتهدين،

وخطاب الفقيه للمكلَّف أنني أيها المقلِّد ليس شأني أن أُفَصِّل لك كل مسألة في الرسالة على نحو اليقين بعد كوني لا عصمة لي، وشأني أيضاً إفساح مجال الانتقال لفقيه غيري كما –مثلاً- في الاحتياطيات وفقما تَقَدَّم وسيأتي، وأيضاً ليس عملي أن أُفَصِّل لك كل مسألة في الرسالة حتى فيما خَرج عن موضوع عدم العصمة؛

إذ الرسالة لست أكتبها لك وحدك؛ إنما هي حصيلة اجتهادي أُضَمِّنها في مصنَّف بعنوان رسالتي العملية، لأغراض علمية كثيرة؛ مِن ضِمْنِها تقييم آرائي ومُكْنة مَلَكَتي الاستنباطية واجتهادي، وهو مقصود يتعلق بالمتخصصين لا بك؛ بالتالي لستُ ملزَماً على التفصيل الذي مَحلّه مجال آخر أوسع وأكثر بسطاً يُجَرُّ فيه لمناقشات ممتدة أنت غني عنها.

أضف إليه؛ أنّ الفقيه يَذكر بأنّ هذه الأحكام السُّننيّة هي بنحو النظر الاحتياطي، وبجوارها يَستعرِض مسألة التقليد للفقيه في المسائل الاحتياطية أنّ المكلَّف يحق له في كل حُكم احتياطي أن يقلِّد مرجعاً غير مرجعه الأساسي شريطة رعاية تقليد الأعلم بعده فيها؛ بالتالي

فإنّ المكلَّف المقلِّد حُرٌّ هنا في أن يَعود للفقيه الأعلم بعد فقيهه ويقلده في هذه السُّنن الاحتياطية؛ وذاك الفقيه الآخر إما يَرى رفْض القاعدة وعدم ثبوت ذلك المستحب أو المكروه عنده، أو يرى ثبوت القاعدة، أو يكون كالفقيه الأول محتاطاً فيَعود المقلِّد لفقيه ثالث إن شاء، وهكذا. 

أقول: وينبغي أيضاً التفريق علمياً بين قاعدة التسامح في أدلة السُّنن وقاعدة رجاء المطلوبية؛ إذ هذه غير تلك؛ فإنّ الفقيه يصير لقاعدة رجاء المطلوبية بعد فرْض أن قاعدة السُّنن غير ثابتة لديه كلّيّاً أو في خصوص المَورد الراجي مطلوبيته، وإلا لَكان الصحيح منه وفْق خطوات آلية الاستدلال العلمية المنطقية السليمة أن يفتي وفق قاعدة التسامح مباشرة ولا يصير إلى قاعدة رُجُوِّ المطلوبية؛ ولهذا فإنّ فتوى رجاء المطلوبية لا تُسَوِّغ للمقلِّد الرجوع لفقيه آخر غير فقيهه مثلما فعلنا في مسائل الاحتياطيات.

وعلى أيِّ حال؛ لا حاجة لتعقيد المَطلب أو الإطالة في بحث هامشي لا ربط له بأصل موضوع بحثنا؛ فإنه يكفيك بعد فهم المقصود من قاعدة التسامح في أدلة السُّنن أن تَعرف بأنها مَحلُّ كلامٍ؛ هل هي حُجّة أم لا؟؛ فلا تَتَهَيَّبْ فالأمرُ سهلٌ.

● بيان حد القاعدة (تحديد مهم):

هذه القاعدة يبحثها الفقهاء –سنة وشيعة- في علم أصول الفقه؛ باعتبارها قاعدة تؤسِّس لحُكم مشترَك في موضوعات ومسائل فقهية استنباطية شتى للحكم الشرعي.

لكن ينبغي الالتفات في ذلك لعدة أمور:

أولها أن هذه القاعدة محل نقاش طويل جداً بين العلماء، هل هي ثابتة وحُجة أم مختلَقة ولا قيمة لها أصلاً في عملية استنباط الأحكام الإلهية؟

وثانيها فإنّ هذه القاعدة على فرض التسليم بها؛ فإننا يجب أن لا ندعها هكذا مطْلَقة العنان تَصُول وتَجُول في ميادينِ دِين الله تعالى كيفما اتَّفَق؛ كلا؛ بل يجب تقييدها بالثوابت الضرورية، والثوابت الضرورية أذكر مِن بينها تحليليّاً –في ظل الخلاص عن نَسْبِ بلوغِ السُّنّة عن النبي- سبعة قيود كما يلي:

1- أن لا يكون الراوي مشهوراً بالكذب والدَّسيسة في الدِّين بحد يَمتنع معه التصديق لِما ينقله.

2- أن لا يكون تركيب ألفاظ الخبر ركيكاً ركاكة تفقده أدنى درجات احتمال صدوره من النبي صلى الله عليه وآله أو تفقده القدرة على الاستدلال بمفاده.

3- أن لا يتعارض مضمون الخبر مع يقين عقلي ثابت مخالِف له وعلى طرف الضد منه؛ إذ اليقين حُجّيّته ذاتيّة ومقدَّم على كل حُكم هو في أساسه مستحَب أو مكروه فحسب؛ يَشتمِل على الترخيص في ترك امتثاله، فضلاً عن أن يكون محرَّماً أو واجباً إلزامي الامتثال.

4- أن لا يتعارض مضمون الخبر مع ثابت من الثوابت الشرعية الأخرى، دينية أم مذهبية، من أي درجة كان، حتى لو كان ذلك الثابت الشرعي الآخر مكافِئاً وأدنى من درجة الوجوب والحرمة.

5- أن لا يكون الخبر في مجموع فقراته يَشتمِل على جُملة من السَّقَطات والتعارضات البَيْنيّة، أو التعارضات مع الواقع الخارجي والمنقول التاريخي الثابت تُفْقِده إمكانية اعتماده والعمل على وفقه.

6- أن لا تتعارض الأخبار السُّننيّة مع بعضها الآخر تعارضاً مستقِرّاً بحيث لا يمكن الجمع بين مضمون الخَبرين؛ إذ أحكام الله لا تتعارض فيما بينها بتاتاً؛ فإما هذا صادر وذاك لم يَصدر أو ذاك صدَرَ وهذا لم يَصدر أو كل منهما لم يَصدر، ويستحيل أن يَكون كل منهما صدَرَ عن الله تعالى ونبيه المسدَّد بالوحي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى؛

فلا يَتعارض خبر سُنَني كراهتي جائي من هذه القاعدة مع خبر سُنني استحبابي أو كراهتي جائي منها، أو العكس؛ استحبابي يَتعارض مع كراهتي أو استحبابي آخر منها؛ فإنه عندئذ نَعود -في الخبرين المتعارِضين الحاصلين من القاعدة- إلى قواعد باب التعارض؛ فربما أَسقطْنا كل من الخبرين أو حَكمنا بالتخيير لأحدهما، كل فقيه حسب مبناه.

7- أن لا يَصل استعمال القاعدة لحد تتصف فيه بالاستهتار بأحكام الله تعالى؛ فمثلاً لو تكثَّرَت أخبار السُّنن بدرجة تجعلها في مجموعها شاذة وغريبة لا تَتناسق مع طبيعة مَعالم الدين الإلهي؛ فإنه حينئذٍ يتوجب ترشيح المجموع وتهذيبه للبلوغ به للحد المتعقَّل في الأديان؛ وهذا الأخير يَعتمِد على قريحة الفقيه البارع؛ إذ هو الوحيد المتمكن من توطيده.

وعليه؛ فإنه عند تَحقُّق أي واحد من الخمسة الأولى؛ سيكون الخبر السُّنني بلا أي قيمة في الشرع؛ وهذا في جنبةٍ مصداق قول أحاديث العَرْض على القرآن؛ إذ ما خالف القرآن فيُضرب به عَرْض الحائط ..، بينما إذا تَحقَّق أي واحد من القيدين الأخيرين؛ السادس والسابع؛ فإنّ الخبر قد يَسقط وقد لا يَسقط، فكل فقيه حسب مبتنياته وتشخيصه الاجتهادي.

بالتالي؛ على فرض قبولنا بقاعدة التسامح في أدلة السُّنن؛ يَلزَم علينا لنَعرف مدى إمكان تطبيقها على خبر نطْح العقيلة زينب عليها الصلاة والسلام المَحْمَل وعلاج ضعف سنده بهذه القاعدة للاستفاد منه في صالح التطبير، أن نفحص خبر النَّطْح بنحو آخر كما يلي، ومن ثم نقيس هذه الحدود السبعة عليه؛ فإن سلم منها نفعنا، وإلا فلا. فهذا هو ما أبحثه بحوله تعالى فيما سيأتي.


[1] ادعى ذلك الشيخ الأعظم رحمه الله في رسائله في بحث القاعدة: ص142 و143.
[2] الكافي، للشيخ الكليني رحمه الله: ج2 باب من بلغه ثواب من الله على عمل ص87 ح1.
[3] وسائل الشيعة، للحر العاملي رحمه الله: ج1 ب18 من أبواب مقدمة العبادات ص81 ح6.
[4] إقبال الأعمال، لابن طاووس رحمه الله: ص627.
[5] راجع الوسائل، للشيخ الحر العاملي: ج1 ب18 من أبواب مقدمة العبادات ص80 إلى 82.

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات