» العوامي أول صيدلي سعودي تحدى الطب الشعبي.. ركب وصنف الأدوية  » المرور: تغيير لون المركبة ووضع الملصقات عليها للاحتفال باليوم الوطني «مخالفة»  » «الطيران المدني» يبحث تطبيق الفحص المسبق على المسافرين لأمريكا من الرياض وجدة  » «التعليم» تسحب نسخ مغلوطة لأحد المقررات.. والوزير يعتذر  » أبا الخيل: تعويض العامل عن إجازة اليوم الوطني إذا تداخلت مع «الأسبوعية»  » سيّدُ الشّهداء الحسين بن علي عليهما السّلام  » نافذة على هلال الصلاة  » جمعية العطاء تزور مركز "جنى" للوقوف على خدماته  » الإمام الحسين وإقامة الصلاة  » ملحمة كربلاء..عاصفةٌ وجدانية  
 

  

م. علي حسن الخنيزي - 04/09/2017م - 1:22 ص | مرات القراءة: 614


لازالَ أسمُه شامخاً في عالم الاقتصاد ، والصّفقات التّجاريّة .

مع أنّ كلمة سمّاچ ، كنيةٌ عن حرفة ومهنة ليس إلٌّا ، إلٌّا أنّه كان يفتخرُ فيها ،ولايزال عندما  يُنادَى عليه بهذا اللّقب ،مع أنّ اسْمَه  الحقيقي كان  ، الحاج مكّي السّلطان  .

 بدأ حياته كصيّادِ سمكٍ بسيطٍ ، في مقربة من ساحل بلدته، المشهورة بكلّ أنواع الحِرف والمهن . كان حلُمُه أن  يكون غواصاً في استخراج الّلؤلؤ من البحر ،الى أن يصلَ الى ان يكون طوّاشاً. نعم هكذا الأحلام .

بعدها استطاعَ أن يشتريَ قارباً صغيراً ليتمكّن من زيادة انتاج صيده . 

في أحد أيّام رحلته البحريّة ،والتي كانت في فصل الشّتاء القارس ؛ خرج الحاج مكّي  بصحبة ابنه إبراهيم  ،ليكون له مساعدا ، ويدرّبه علي أسرار فنّ الصيد .

أبحرا بعد صلاة الفجر مباشرة ، حيث كانت السّماءُ صافيةً ،والنجوم تُضيء أرجاءَها ، وكان الحاجُ مكّي  يعتمدُ عليها في دلالة مسيرته، لعلمه  بطرقِ النجوم ، حتى تُشرقَ الشّمسُ ، حيث يعتمدٌ بعدها على بوصلةٍ بحريةٍ قديمةٍ ،قد اشتراها من سوق الحراج .

كانت بدايةُ دخولهما البحر هادئةً ، حيث لايُسمعُ فيها سوى صوتُ محرّك القارب ، كأنّه عجوزٌ منشغلٌ بنفسه عندما تنتابه  أزمة السعال  بعد تدخينه النارجيلة بتتن عماني حار . بدأت آثارُ دوار البحر على ابراهيم، لأنّها  كانت الرحلة الأولى له في قارب بحري ، ممّا جعله يستلقي على ارض القارب الخشنة ، مغمضاًً عينيه ،تاركاً والده لوحده يقوم بمهة

الإبحار  والصيد .

كان الصيدُ وفيراً بمختلف أنواعِ  الأسماكً مثل : الهامور، السّوّد ، الشعري ،الصّافي ،السبيطي ،

الحياسين ،الكنعد، الجنم ، القرقفان ، الميد ، الفسكر ، عريضي ، والجواف.

كانت تشكيلةً عجيبةً وغريبةً من الأسماكِ ،لم يسبق له باصطيادها  من قبل .

مرّت ساعاتٌ ، والحاج مكّي يقوم بتلك المهمّةالصّعبة لوحده ،بينما ظلّ إبنه إبراهيم  مستلقياً على حالته .

بعدها ، استدار راجعاً الى ساحلِ بلدته ، فرحاً بما منّ الله عليه من ذلك الرزق الوفير .

كانت بيعة خير له ، ولم يحملْ معه إلى منزله سوى بعضٍ من أسماكِ الجواف الكثيرِ الشّوكِ ، والّذي كان النّوع المفضّل لدى عائلته ، حيث يقوم هو بشويه على قطعة صاجٍ مستخدماً كربَ النخل لإضرام النار ، لانعدام وسائل الطّاقة في ذلك الوقت .

كانت فترةُ الغذاء ، هي فترةُ التحوّل من عالم الصيد  ، الى عالم التٌجارة .

بينما كانت جميعُ العائلة تستمتعُ بأكلة سمك الجواف المشوي ، مع  رزّ ( الأرز)البشاور المتوّج بدهنة البقر الطبيعية ، كخيوط شمسٍ ذهبيّة قد أضافت ذلك الجمال على حبّات الرزّ،

حدثت مفاجأة، بأن تفضّل عالمُ  الحظ بابتسامته أخيرا على تلك العائلة الحامدة ، والشاكرة . 

كان البابُ يُطرقُ ، ويرافقه صوتٌ أجشّ: أبا إبراهيم  ، أبا آبراهيم .

فتح أبوإبراهيم الباب ، وإذا به رفيق دربه أبو صالح يُخبره ؛ بأنّ السيد سلمان الطّواش ، يريده أن  يلتحقَ مع النوخذة المعروف آنا ذاك ، عبد الله مرزوق في رحلته المقبلة لاستخراج الّلؤل من البحر .

أطرقَ أبو إبراهيم يفكّر ، وأخبره بأن ينتظرَ حتّى المساء ليستشيرَ عائلته .

رجع أبو ابراهيم مخبراً عائلته الصّغيرة عن الحوار الَّذّي دار  بينه وبين ابي صالح .

كانت زوجتُه أمّ إبراهيم من المعارضين لتلك المهنه والرّحلة ، لمعرفتها بمخاطرها الكبيرة ، والتّي كان يتعرّضُ إليها  الغوّاصون من مهاجمات أسماك القرش ، والمعروفة آنا ذاك بالجراجير ، مع إحاطتها علماً بمخاطر أهوال البحر في كلّ مرة يخرجُ فيها  أبو إبراهيم  للصيد .

استغرق الأمرُ ساعات ليُقنعَها  أبو إبراهيم بأنّ الله هو الحافظ ، وأنّ الإنسانَ  لابدَّ له  من انتهازِ أيّ فرصة عمل يَكُونُ لها الفضل في تحسين  أوضاعَ  حال العائلة الاقتصادية .

تحدّد موعد الرّحلة في الخامس عشر من الشهر العربي ، حيثُ يكون القمرُ بدراً.

انتهزَ أبو إبراهيم فترة الأيّام المتبقيّة 

قبل دخولهم البحر ، ليتعلّم من صديق عمره أبي صالح ، معالم فنّ الغوص ، واقتناء أدوات الغوص لاستخراج تلك الّلآلئ من جوف البحر .

شاءت الأقدار ، بأنّ الحاج مكّي ، كان يحتفظُ بأدواتِ الغوص والتي قد ورثها من والده والّذي  كان  ضليعاً في عالم الغوص .

كان والده رافضاً تعليمه معالمَ الغوص لمخاطرها الكثيرة ، واكتفى بتعليمه أدواته فقط مثل :

- القطام : وهو المشبك الذي يضعه الغواص على انفه منعاً من تسرّب مياه البحر الى جوفه .

- -الديين : وهو الكيس الذي يعلّقه الغواص على رقبته ، ليضعَ فيه المحار ، وهو عادةً مصنوعاً من الخيوط المغزولة.

-الخبط : وهو قفاز جلدي يضعه على يديه لحمايتهما .

-الثقل :وهو الحصاة ، أو الحجرة ، والتي يثبّتها الغواص في رجله، حتى بستطيع الوصول الى الأعماق .والعمق المطلوب يعتمد على مقدار الثقل المثبت في الرجل .

-الشّمشول : وهو عبارة عن عباية ، او رداء أسود اللّون يلبسه الغواص .

- اليدا: وهو الحبل يربط به الغواص نفسه متّصلا بالسّفينة ، أوالسّيب لسحبه للأعلى بعد انتهاء مهمّته ، أو لأيّ ظروف طارئة تحدُث .

المفلّقة : من فلق الشّئ أي فتحة، وهي الأداة التي يفتحُ بها الغواص المحار لاستخراج الّلؤلؤ منها .

في اليوم المُقَرِّر للرحلة ، ودّع الحاج مكّي عائلته ، وسط بكاء ونحيب ، لخوفهم عليه من هذه الرحلة الطويلة والتي قد تستغرق أياماً ، أو شهوراً حسب الظروف ،والتي قد يتعرّض اليها طاقم السفينة من مخاطر البحر .

وصل الحاج مكّي الى مرفأ السفينة ، حيث كان في استقباله  النوخذة 

عبد الله مرزوق وسط ترحيب كبير من زملائه .

اخبره بدايةً، أنّ مهنةَ الغوص مهنهٌ جماعية وتحتاج إلى  تعاون وإدارة مجتمعة مع جميع طاقم الغوص ،بدأً بالنّخذه . فالنّخذة عبد الله مرزوق هو مالك السفينة ، وهو رُبَّانِها والمسؤول عن مسيرة الرحلة وسلامتها وإدارتها، وعنده خبرة طويلة في هذا المجال   . وأيضاً عنده دراية عن أمكنة  الغوص ، وأيضاً بعلم الفلك  والنجوم ،لسلامة طريق الإبحار والرّجوع بهم  سالمين .

قدّم النوخذة، الحاج مكّي  للتّعرف  على بقية الطاقم وأعمالهم و المبدعين فيها والموكّلة إليهم  كمؤسّسة جماعية لها ادارتها الخاصة لهذا العمل مثل :

- رئيس البّحارة والدي يُطلق عليه اسم :

المقدّمي، والذّي يكون مسئولا عن 

حاجات السفينة والعمل الخاص بهم .

-الغواص ، والدي يقوم بالغوص تحت الماء ويجمع البحار .

-السيب ، وهو الذي يقوم بسحب الغيص بالحبل المربوط في الغواص - الفلّيج ، وهو الذي يقوم بفتح المحار بواسطة المفلّجة او المفلّقة لاستخراج الّلؤلؤ منها .

-السّكوني ، والذّي يمسك دفّة السفينة لتوجيهها   حسب أوامر النوخذة . 

-النّهام ، وهو الذي يغنّي لطاقمِ السفينة ليخفّفَ عنهم عناء التعب، ويعطيهم حافزاً على مواصلة العمل بقوّة . 

بدأت الرحلة أخيراً ، وكان البحرُ هادئاً ، والسَّمَاءُ صافيةً ، ونسيم البحرُ كان يلامسُ بشرتهم والتي كانت مدهونة  بدهان خاص ، يحمي بشرتهم من حرارة الشّمس ، وملوحة البحر . 

وصلوا الى المكان المحدّد للغوص ، حيث استعدّ كلُّ واحدٍ من الطاقم ليقومَ بمهمّته التي وُكلَت اليه . 

نزل طاقمُ الغوص بعدّتهم غيرِآبهين الى غدر  البحر ومخاطره .

استمرّوا على تلك الحالة أسابيع ، حيث كانوا يقومون باستخراج المحار في النّهار  ، وفِي الليل يتناولون  من خيرات البحر ، تحت ازاهيج ذلك النًهام الرّائع ،والذّي بصوته كان يخترقُ اعماقَ البحار، وواسعَ الفضاء ، فيُخلقُ الهدوءَ والراحةَ والسّكينة للجميع ، بما فيهم طيور البحر وسمك البحر .

انتهت تلك المهمَّة بنجاحٍ ، وبجمعِ الكثيرِ من المحار والتي كانت تحوي على أحجامٍ  كبيرة من الّؤاؤ بتوفيقٍ من الله .

أثناء رجوعهم الى موطنهم ، حدثَ مالم يكن في الحسبان . تعرّض النوخذة عبدالله إلى نزلة برد شديدة ، ممّا جعله يلازم الفراش . حدثت المشكلة هنا ؛ في سواد الليل ، والنّجوم متلألأة ، فكيف بهم أن يعرفوا طريق العودة والنّخدة مُسجّى على الفراش ، ومساعده أيضاً قداصاب عينيه الّذرن . هنا جلسوا يتحاورون وقلقين على مصيرهم المجهول .

وبينما هم كذلك ، وإذا بصوت الحاج مكّي بهدؤٍِ: لا تقلقوا .. فأنا ملمّ بعلم النُّجُوم وعلم الفلك  . 

حينها اقترب الحاج مكّي من السّكوني ،والمسؤول عن دفّة السفينه 

،وبدأ بثقة كبيرة في إعطائه الوجهة الصّحيحة لتبحرَ تلك السَّفِينَة على أصواتٍ ملأت الفضاء ،و كانت تهزُّ البحرَ وهي الصلاة على محمد وآل محمد عليهم السلام .

لبثوا أيّاما ، حتى استطاع الحاج مكّي من إيصال السَّفِينَة بأمان ، وكان في استقبالهم عوائلهم 

كعادتهم لكل رحلة  غوص. تلك العوائل كانت تقدّر زمن عودتهم ، بالذهاب الى السّيف كلّ يوم .

عندما علم الجميع بما فعله  الحاج مكّي شكروا الله كثيرا، ودعواالله  إليه بالتّوفيق والنّجاح في جميع دروب حياته .

كان في استقبالهم ايضاً ، الحاج أحمد  الطّواش، حيث قام بشراء جميع اللّآلئ من النوخذة عبدالله مرزوق ،بعد تحسّن صحَّته بمبلغ ثمين،  ممّا أثرى الجميع بما فيهم الحاج مكّي .

البعض بقى على تلك المهنة ، والبعض تركها ، لضعف ثمن الؤلؤ الطبيعي ، مقارنة بالّؤلؤ الصّناعي الياباني ،حيثُ بعدها انتهت تلك المهنة ، وأصبحت تاريخا تُروى فيه قصصُ عظماء، كانت لهم لمسات سحريّة  في مصارعتها اخطار البحر .

أمّا الحاج مكّي  ،فقد توجّه  بعد ذلك للعملِ في مجال التّجارة ، حيث وصل به الحال بتوفيق كبير من الله ، نتيجة دعاء صادق له من تلك العوائل والتي نجا رجالُها  من الهلاك  ، والّذي بفضل من الله وفضله استطاع ان يوصلهم إلى برّ الأمان .

ولازال الحاج مكّي  ، يفتخرُ بتلك الكنية .... مكّي السّماچ.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات