» بلدية القطيف ترصد 10 ملايين لتأهيل السوق القديم بتاروت  » مخ المرأة لا يخلد للراحة مثل الرجل  » 3 آلاف ريال غرامة تجاوز الحافلات المدرسية عند التحميل  » خريجو الإدارة الصحية على بند «العطالة»  » سيهات تختتم فعاليات جميلتها  » الإرهاب يتسلل إلى المنظمات الدولية  » «التعليم»: لا حرمان إلا بقرار  » «البنوك»: لا ضريبة مضافة على القروض بأثر رجعي  » السماح للسعوديين بإكمال الدراسات العليا في البحرين  » «الضمان الصحي»: تطعيم الإنفلونزا مغطى ضمن منافع وثيقة التأمين  
 

  

صحيفة الرياض - 10/08/2017م - 12:06 م | مرات القراءة: 606


كان الناس في مجتمعنا يعيشون مظاهر الفرح بكل تفاصيلها الممتعة، ويتشاركون في لحظات الأحزان، بل ويتعاونون في مصابهم،

متحدين كجسد واحد حول من مرت به لحظات الحزن، وكانوا يعيشون غاية في البساطة، وفي شفافية المشاعر، وتبادل تهاني الأفراح ومواساة الأحزان، فكان مجتمعاً مترابطاً متلاحماً متحاباً تسوده كل الصفات الجميلة التي غابت عن هذا المشهد خلال هذه الفترة من الزمن، بل وتحولت تلك اللحظات إلى رسائل نصية جامدة من خلال أجهزة التواصل الاجتماعي بين أفراد المجتمع والأسر، فسادت روح الفرقة والبعد والجفاء وجفاف المشاعر،

وفوق ذلك كله الإحساس بالعزلة والوحدة والانكسار، وسط بحر متلاطم من مشاعر القلق والتفكير العميق فيما أحدثته تلك التقنيات بعزل الناس بعضهم عن بعض، وعلى الرغم من أهميتها وحسن سرعة وصول المعلومة إلاّ أنها لدى الكثير أصبحت هي البديل عن حضوره بجسده وروحه وسط أفراح أقاربه وأحزانهم.

مجرد مرسلين
وقال محمد حريد: لقد عصفت التقنية بروح الفرحة والبهجة والإحساس بمشاكل وأحزان الآخرين، وتحولنا إلى مجرد مرسلين لنصوص قد تكون جاهزة نعبر بها عن تلك المشاعر، ونسحب أنفسنا بشكل غير مهذب من التعاون الاجتماعي الذي هو مطلب الدين الحنيف قبل كل شيء،

حيث حثنا ديننا على الوحدة وعلى مشاركة الناس أفراحهم وكذا حضور الجنازة والصلاة عليها والذهاب للمقبرة والدعاء للمتوفى وحضور العزاء، كل ذلك تخلينا عنه وأصبحنا نغلق الدائرة على أنفسنا وكأننا من كوكب آخر، وهذه ألاحظها شخصياً من خلال الأقارب والجيران، وكنت أتمنى أن تفعل تلك الأمور التقنية لما فيها من زيادة الألفة والمحبة والترابط.

زمن جميل
وتحدث علي عسيري بحسرة قائلاً: أتحسر على ماضينا الجميل حيث أصبح اليوم التواصل عن طريق الأجهزة وليس عن طريق أشخاص، وأسر تتزاور وتتقابل في مثل هذه الأعياد، مضيفاً: «سقا الله الزمن الماضي الذي كان الناس فيه خاصةً في مناسبة العيد يقومون بمعايدة بعضهم البعض في القرية،

ابتداءً من أول منزل إلى آخر منزل في القرية أو الحي، يجتمعون على الوجبات الشعبية آنذاك في مظهر لا أستطيع أن أعبر فيه عن طيب المشاعر والأخوة والمودة التي تكتنف الحضور»، مبيناً أنه الآن -مع الأسف الشديد- تمر مناسبة العيد ولم يعايد الناس الآخرين إلاّ بالرسائل الملفقة.

وأضاف: أرجو ألا يكون الزمن الجميل شاهداً علينا عندما تركنا عاداته الجميلة وتواصلنا فقط عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والواتساب الذي بدد المشاعر، وكذبنا به بعضنا على بعض، ولم نعد نرى أشخاصاً كنا نحبهم ونودهم سوى رسائل صماء ليس لها أي معنى، واسمحوا لي أن أقول لكم عن مشهد أحزنني كثيراً في هذا العيد عندما ذهبت أنا وأبنائي للصلاة بالمصلى،

وعندما انتهينا من صلاة العيد قابلت أحد كبار السن الذي تربطني به معرفة قديمة وحين عايدت عليه خرجت دمعة من عينه حاول إخفائها سألته: «لماذا هذه الدموع؟»، فقال لي: «أبكي على الزمن الذي كنا فيه نتواصل مباشرة عقب الصلاة، ونأكل مع بعضنا البعض،

ونرى الأحباب والأقارب والجيران»، فقلت له: «أحسن الله عزائي وعزاك في ذاك الزمان الرائع من خلال أهله البسيطين»، عدت إلى منزلي وأنا فعلاً أفكر لماذا أصبحنا مفككين ولا تربطنا إلاّ أجهزة الرياء الاجتماعي ورسائلها الجافة التي حولت مسار الفرح والحزن إلى لوحات خرساء تئن على الماضي بكل تفاصيله الممتعة.

سلبيات وإيجابيات
من جهته أوضح عيسى المازني أن هذا التحول في مشاعر المناسبات الذي أحدثته التقنية برسائلها المختلفة له سلبياته وإيجابياته، فقد اختصر على الكثير بعضاً من معاناة وبُعد المسافات، وصار التواصل سهلاً، مضيفاً أنه من السلبيات اكتفاء البعض بالتواصل عبر الأجهزة وتغيير بعض العادات والتي كان لها طابعها التقليدي المميز، ومن دون شك أن هذه الوسائل هي من نعم الله علينا، حيث أصبحت تتحدث إلى قريبك في أي مكان بالعالم وتشاهد صورته مباشرةً،

وهذه خففت من حدة الغربة ومن سرعة وصول المعلومة، وكذلك من تطمن الأهل على أبنائهم في كل مكان، وكذا في التعزية فأنت لا تستطيع أن تذهب للعزاء في مدن بعيدة ولك الكثير من الأقارب وغيرهم متفرقين فتقوم بتعزيتهم برساله تؤكد من خلالها صدق النوايا وحسن المعشر لكل من تعرف،

مشيراً إلى أنه من ناحية السلبية فمن المؤكد أن هذه آلة صماء وعند الاكتفاء بها والاعتزال عن مناسبات الفرح والمشاركة بها وكذا الأحزان حينها نقول فعلاً تلك مشكلة كبيرة وتؤدي إلى نتائج وخيمة بل إلى قطيعة رحم وإلى تفكك أسري، وكذلك إلى الظنون والشكوك،

وأقول لمن يمارس تلك الممارسات أن يتقي الله أولاً في أقاربه؛ لأن الرحم معلقة بالسماء تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله، لذا ينبغي لنا الحذر وعدم الإغراق في استخدام تلك الرسائل إلاّ في الضرورة وعدم القدرة على الوصول، لتعود مناسباتنا أكثر نقاءً، وليعم الحُب بين الناس والذي بتنا نفتقده الآن من خلال تلك الثغرات التقنية.

زادت الفجوة
وأكد محمد أبو هبشه على أن رسائل برنامج «الواتساب» والرسائل النصية كثُر انتشارها في مناسبات الأفراح والأحزان، واقتصرت العلاقات الإنسانية على رسائل جافة بدأت تحل محل التواصل الأسري، وباتت الرسالة والتهنئة عبر الجوال هي البديل عن الجو الأسري والحميمية العائلية، مما زاد من الفجوة بين أفراد الأسرة وقلل فرص الالتقاء والتواصل بين أفراد العائلة الواحدة،

مضيفاً أنه لعبت وسائل التقنية الحديثة ووسائل التواصل دوراً كبيراً في تغيير طريقة التواصل الإنساني في عدد من المناسبات المختلفة بعيداً عن الطريقة المُعتادة، مبيناً أنه يرى بعض الشباب أن الرسائل تخفف عبئاً كبيراً عن الناس، وتعد وسيلة مثالية للتواصل،

وأنها تختصر الزمان والمكان، بالإضافة إلى أنها مكنت الأشخاص من أن يتواصلوا مع مئات أو آلاف الأشخاص في وقت واحد دون التوقف أمام العوائق الجغرافية، متأسفاً على أنه تحولت مشاعرنا لأرقام وأحرف، متمنياً أن يكون التواصل عبر الأجهزة في نطاق ضيق، وأن تعود اللحمة بين الأقارب والجيران كي يشعر الناس بالسعادة.

باب مفتوح
وقال محمد الخيري -باحث اجتماعي-: إن وسائل التواصل الاجتماعي اجتاحت الساحة وسيطرت على جميع الوسائل، لاسيما «الواتساب» و»الانستغرام» و»السناب شات» و»تويتر» وغيرها، وكل يوم ولنا برنامج جديد والباب مفتوح في جميع المجالات وجميع المناسبات، خاصةً في المناسبات السعيدة وغير السعيدة في الأعياد والأفراح، وكذلك في الأحزان، مضيفاً أنه فتحت المجال للجميع للكتابة والتعبير عن مشاعرهم وأخذت تنتشر بشكل كبير،

والإيجابي في هذا السرعة الوصول إلى المتلقي وسهولة تداولها وتنوع أسلوبها وأشكالها وطريقة عرضها، والسلبي فيها القص واللصق والغث والسمين من دون رقيب ولا حسيب، متمنياً تجنب الخوض في أعراض الناس، فالإنسان محاسب على كل حرف يكتبه ويرسله،

ولنكن يداً واحدة لا نسكت على ما يكتب بل يجب التنويه سواء على الخاص أو العام، وهذا يقع على عاتق مدراء «قروبات الواتساب» والمثقفين والمربين، وعلى كل كبير وصغير، حتى نستفيد بشكل إيجابي من تلك التقنية، ولتكن لنا سعادة ونقاء لا تعاسة وفرقة وشقاء.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات