» ماذا لو أسأت لغيرك ؟!  » التوبي.. وفاة بطل المنتخب السعودي نجم رضوان في روسيا  » متقاعدون بالهجري ومتقاعدون بالميلادي!!  » رسائل النصب تتواصل.. والبنوك: لا نهدد بالحظر  » 60 سعوديا يغادرون العمل الحكومي يوميا  » شركة تختبر المتقدمين لوظائفها على طريقة «قوت تالنت»  » فحص الكتروني للمهندسين الأجانب قبل التأشيرات  » 18 عاما السن الأدنى للبحارة واستخدام القوارب السريعة  » نازك الخنيزي هي التي فتحت عيونها ونظرت إلى السماء لأنكم موجودون هنا …  » محنة الإمام العسكري في الطريق الرسالي  
 

  

الباحث عبد الرسول الغريافي - 30/06/2017م - 2:00 ص | مرات القراءة: 6167


"وجعلنا من الماء كل شيء حي".فالماء هو أساس إستقرار البشر على بعض البقاع من هذه الكرة الأرضية ونقصه هو سبب الهجرات والتنقلات من

بقعة لأخرى بحثاً عن الماء والكلأ في الأزمنة الماضية، فالأستقرار هو الاستيطان و هو سر عمار الأرض وبإعمار الأرض يبدأ تكوين الحضارة لمجتمع أي أمة أو شعب، فأرض بلا مياه لا نبض للحياة فيها.

منذ سبعة آلاف سنة امتدت ثلاث واحات مغمورة بالمياه العذبة بمحاذاة الخليج العربي ومن يابسة إلى مغمورة أيضاً وذلك من شمال قطر حتى حدود الكويت ولا تزال حضاراتها صامدة حتى أيامنا هذه تحت مسميات مختلفة فتارة تعرف بهجر وتارة تسمى أوال وأخرى تعرف بالخط. إنها الواحات الثلاث التي تشكل مثلثا قاعدته في أطراف صحراء الدهناء ورأسه في داخل الخليج العربي المكون لجزيرة كبيرة؛

إنهن الأحساء والبحرين والقطيف اللواتي حباهن الله بوفرة المياه وغزارتها حتى اغرقت بخيرات منتجاتها الزراعية بقية مناطق الخليج العربي وذلك بمختلف أصناف التمور وبعض الفواكة.

بل وصلت تمورها و سلوقها المجفف (الرطب المسلوق المجفف) إلى الهند حين كانت تعبأ في اكياس الخيش لتصديره للهند لإستعماله كنثار على العرائس ولم يوقف التصدير هذا إلا في نهاية الستينات من القرن الماضي في بداية عهد انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند الثالثة عندما اعتبرته نوعاً من التبذير تحت وطأة ظروف اقتصادية قاسية.

ولم تقف شهرة مياهها عند هذا الحد فحسب، بل راحت شعوب الحضارات القديمة كحضارة الرافدين من البابليين والآشوريين تتغنى بهذه العيون المتدفقة مياهها في أنهارها المتعددة لتصفها بدقة فائقة في أدبها وتاريخها وأساطيرها على أنها مياه الخلود التي تنبت زهرة الخلود، فهاهي ملحمة جلجامش السومريه العائد تاريخها إلى أكثر من 2650 سنة ق.م.

تسطر لنا مغامراته ومجازفاته في رحلاته طلباً للبحث عن تلك الزهرة والمياه ليحقق طموحه في الإنتقال من الحياة الإنسانية الزائلة إلى مرتبة الخلود بعد أن اختطف الموت صاحبه وساعده الأيمن أنكيدو، فراح يبحث عن تلك المياه وهذه الزهرة إلى أن وصل أرض الخلود وفيها يصف جزيرة البحرين تارة وتارة أخرى يصف جزيرة عشتاروت

وكيف أنه وصل إلى مياهها وغاص في أعماقها وقطف من زهرها إلا أن الخلود قد كتب لغيره عندما نزعها الثعبان منه. وفي الملحمة نفسها يصف "إنكي" إله المياه الجوفية والعيون لجلجامش بعد أن أنقذه من الطوفان وأرشده إلى ديلمون وهو يخاطب أبنته الإلهة "نين سيكيلا" حافظة مياه ديلمون قائلا:
ليقيم اوتو المستقر في السماء..
وليحضر المياه الحلوة من الأرض..
من مصادر المياه في الأرض..
دعيه يحضر المياه في أحواض كبيره...
دعيه يجعل ديلمون تشرب منها المياه بوفره..
دعي الشمس تأتي بالمياه العذبة من الأرض..
دعي ديلمون تشرب المياه الوفيره..
دعي ينابيعها تصبح ينابيع المياه العذبة.

فترد عليه ابنته قائلة:
انت أعطيتني مدينة..
مزودة بالماء في أنهارها.
فيرد أنكي ثانية:
مدينتك سوف يكون لها..
ماء وفير للشرب من أجلك..
وبئرك ذو الماء المالح..
سوف يصبح بئر ماء عذب..

ومن فوهة الماء الدافق على ضفة النهر..
أتى الماء الحلو من الأرض
المدينة مكان السكنى..
ستكون مكاناً هانئاً للسكنى..
ديلمون ستكون أمكنة السكنى فيها أمكنة هانئة...
شعيرها سيكون شعيراً ممتازاً
وبلحها سيكون بلحاً كبيراً..
ومحصولها سيكون ثلاث مرات مضاعفاً.

فأسطورة أنكي التي تحكي مساعدته لجلجامش من أجل سفره لأرض ديلمون ذات مياه الخلود الوفيرة المتدفقة بغزارة و وصفه لتلك المياه بتفاصيل دقيقة لتلعب دوراً هاماً في الجانب الواقعي منها لتوثيق تاريخ تلك العيون وتدفق تلك المياه الديلمونية منها منذ تلك الأزمنة السحيقة  ،علماً بأن ملحمة جلجامش ليست بأقدم من تلك العيون إذ أنها تصفها في زمن من ازمنة وجودها.

ويؤكد -من ناحية أخرى- جيوفري بيبي -رئيس البعثة الدنماركية للتنقيب- في كتابه "البحث عن ديلمون Looking for Dilmun" أن تاريخ وجود عين العوده بحمام جزيرة تاروت بالقطيف يعود إلى ما قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد .

وهاهو أبن بطوطة في القرن الرابع عشر الميلادي حين يصف رحلته إلى القطيف، يقول بأن القطيف ذات نخل كثيف ومياه وعيون عذبة كثيرة.

وثمة أشياء أخرى تظهر مدى تغلغل جذور تاريخ هذه العيون في أعماق الزمن؛ فالألواح الحجرية -مثلا- والمكتوب عليها نقشاً بخط المسند الأحسائي والمثبتة على جداران جال كلا من عين "أم اجدير" بعوامية القطيف وجدار جال عين العوده بحمام تاروت القطيف ليكشفا لنا تاريخ بناء كل جال منهما وذلك عن طريق حساب الفارق الزمني لمرحلة تغير الخط المسند في هذه المنطقة حتى وصوله لهيئة خطنا العربي الحديث في أيامنا هذه.

وإن وجود بعض المعابد والمذابح على ضفاف جالات تلك العيون كما هو عند عين أم الجسور بالبحرين ومعبد عشتار عند عين حمام تاروت بالإضافة لاكتشاف الكثير من التماثيل المنحوتة من الأحجار والذهب التي ترمز للآلهة والعباد والجنود الحرس آنذاك مدفونة حول تلك العيون، ثم تحول بعض هذه المعابد لأديرة يهودية فكنائس مسيحية على مدى أزمنة متعددة وعندما أعتنق أهالي المنطقة الإسلام وذلك منذ بداية عهده، أنتشرت المساجد حول أغلبية تلك العيون المتدفقة في ربوع الأحساء والبحرين والقطيف كل تلك الصروح والآثار لتظهر لنا أدلة واضحة على قدم هذه العيون.

ومن الواضح أن أهالي هذه المنطقة قد اتبعوا نبوءات قديمة مفادها تسلسل إرسال الرسل بالأديان السماوية. ومن ناحية أخرى فإن هذه الظاهرة تكشف لنا أن جميع الأديان سواءً أكانت سماوية أم ايديولوجية وضعية فإن الطهارة شرط من شروط الصلاة ما حدا بحرص القدماء على توفير المياه لا للشرب والري فحسب، بل للطهارة أيضاً لما لها من ضرورة مشروطة عند كل صلاة في حياة الأمم.

إن سر تلك الحيوية في هذه الواحات الثلاث هو ثراءها بما وهبها الله من تدفق مياه عيونها وينابيعها الرقراقة العذبة. فظلت تلك العيون مستمرة في تدفقها ليلاً نهاراً دون توقف منذ سبعة آلاف سنة -كما تشير الأدلة والبراهين- ولم تتوقف حتى منتصف التسعينات من القرن الماضي وعلى وجه التحديد في عام 1996 حيث بدأ النضوب يدب في أغلبها.

يذكر أن من حفر هذه العيون هم العماليق والذين يعرفوا محليا ب(العمالقة). والعماليق ينسبوا لجدهم عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح و هم خبراء في معرفة مواطن المياه حيث نلاحظ أن منطقة كبيرة تخلو من وجود عيناً واحدة بينما تتجمع عدة عيون في مساحة صغيرة.

ومن الملاحظ أيضاً أن هذه العيون حفرت بدقة هندسية عالية؛ فرغم مرور آلاف السنين لم يلاحظ أي انهيار في جدرانها. إن مياه هذه المنطقة لتكمن في خزانات غير عميقة في باطن الأرض بينما تصل أعماق بعض العيون في كثير من البلدان الأخرى إلى مئات الأمتار.

وفي بعض المناطق من هذه الواحات الثلاث تظهر لنا انواع هذه العيون و كيفية حفرها (كما هو موضح في قرية الأوجام بالقطيف-مثلا) حيث وجود الكواكب (الجواجب) المحفورة على شكل مربع فوق سطح الأرض طول كل ضلع منها ثلاثة أمتار تقريبا. والكوكب نفسه نراه واضحاً يشكل جزءا من أجزاء كل عين عندما يكتمل حفرها وبناؤها، فهو على شكل هرم رباعي القاعدة مقلوباً إلى الأسفل ويضيق كلما تعمق نحو باطن الأرض حتى نقطة اتصاله بمنبع الماء aquafier والمعروف محلياً "بالتنور" وهو في منطقة تعرف عند البعض "بالقوع" أو القاع.

ولعل مسمى التنور اسم مستعار عند أهالي المنطقة من الآية الكريمة "فلما جاء أمرنا وفار التنور" حيث يذكر أن نبي الله نوح عليه السلام عندما كان يطوف بالناس ويحذرهم من الطوفان تصدت له امرأة عجوز لترد عليه مستهزئة وكانت تطبخ في تنورها قائلة: من أين سيخرج الطوفان؟ أمن تنوري هذا؟ فيقال أن الطوفان فار بالفعل من ذلك التنور نفسه، لذا فإن أهالي المنطقة يسمون منبع مياه عيونهم التنور وأيضاً الكوكب عند أهالي الأحساء وبعض قرى القطيف والبحرين.

وعادة عند عمق اربعة أو خمسة أمتار يصل الحفارون لقشرة جبلية تقطع بعناية فائقة وعندها يبدأ تدفق المياه ثم يبدأ الحفارون بتضييق حجم الحفر حتى يصلوا المنبع (التنور)، فإن تدفقت المياه كما ينبغي إلى مستوى أعلى من سطح الأرض فقد حكم عليها بأنها عينا فيحفر من حولها -عند الفوهة- بما يعرف بالجال (اليال) وهو من الفعل يجول أي يحوم حول،

وعادة ما يكون دائرياً وطول قطره يعتمد على قوة تدفق المياه فقد يتراوح طول قطر الجال من سبعة أمتار إلى مئة متر وعندها يخرج عن شكله المألوف "الدائري" الى بيضاوي او مستطيل أو مثلث، ويصل عمق الجال إلى مترين أو أقل أو أكثر قليلا وينحت بعد المترين مساطب على محيط الجال وتعزز بطبقات من الجص يصل سمكها إلى ستين أو سبعين سم يعرف بالجلف الأول أو المستراح ويليه في اسفله الجلف الثاني فالثالث وهكذا،

وأما الجلوف السفلية فهي عبارة عن طبقات جبلية ناتئة. ثم تبنى جدران الجال من طوب منحوت من الجبال ومن الجص البري المقاوم وتحفر في جدرانه فتحات تتصل بجداول تسمح بتدفق المياه بإتجاهات مختلفة حسب قوة تدفق العين والجهات المطلوبة ريها. أما إذا عجز الماء عن ارتفاع تدفقه عن مستوى سطح الأرض فإن الكوكب يترك كما هو مربعا دون حفر الجال من حوله وعندها يبقى أسمه "كوكب" يمكن تركيب الدلو فوقه للسقي البسيط للمزارع القليلة من حوله.

لاشك أن عملية حفر مثل هذه العيون في زمن هو أقرب للعصور الحجرية إذ يخلو من الآلات والمعدات الحديديه لهو عمل شاق في غاية الصعوبة ما لم يكن هؤلاء الحفارون بارعون ويمتلكون آلات مضاهية في قدرتها وقوتها لآلات عصرنا الحديث هذا بالإضافة لوجود أفكار أو نظريات هندسية ذكية. فالحفر ونحت الأحجار المكعبة بحجم الطوب الحديث لبناء جالاتها وكذلك نحت الصخور المكعبة المشابهة حجماً وشكلاً لأحجار أهرامات الجيزة لبناء المعابد حول تلك العيون

ومن ثم نقلها من الغرب إلى الشرق (كما هو في معبد وجال عين حمام جزيرة تاروت) وكذلك عبور البحر بها لنقلها لموقع العيون في مثل تلك العصور لأمر يحير علماء الآثار حتى أيامنا هذه، ولكن الحاجة هي أم الاختراع وخصوصاً حاجة الإنسان للمياه فهي حاجة ملحة ليس هناك مثلها ما يبلغ ضرورتها إذ أن الافتقار إلى الماء يعني انقراض الأحياء، لذا فالإنسان عمل بما في وسعه متحدياً كل ما يواجهه من صعوبات من أجل حفر تلك العيون للحصول على مياهها من باطن الأرض

وذلك من أجل الشرب وري المحاصيل والإغتسال وتربية الكثير من الكائنات الحية التي يستفيد منها هذا الإنسان، لذا فقد قدس الإنسان الماء واعتنى بترتيب خط سيره فحفر له القنوات المختلفة الأحجام والأنواع حسب الحاجة ليسيره إلى الأماكن المطلوب فيها، كما اخترع أنظمة هندسية دقيقة محافظة على توازن مستوى المياه فيها بحيث تصبح دائمة الجريان ومقاومة للفيضانات

و تستقبل المياه من تلك العيون لتقوم بتوزيعها بشكل تلقائي والتخلص من فضلاتها بعد الاستعمال لتصب إما في البحر كما هو في البحرين والقطيف أو تصب في بحيرات كما هو في الأحساء وبعض قرى القطيف الغربية البعيدة عن البحر كما هو في قرية الأوجام بالقطيف حيث تصب مياهها في منطقتين منخفضتين تعرفان بخور تويريت في الجنوب وخور السيف في الشمال الذي كان يزرع حوله الأرز الأحمر المعروف بالهنديه،

والى الشمال الغربي من القرية تتشكل من تدفقات بعض عيون بدراني القطيف خور الظبية ومن عيون طفيح تكونت بحيرة أو خور طفيح شمال غرب العرقوبه، وأما في الأحساء والتي تبعد عن البحر بمقدار أكبر فقد تجمعت مياهها في بحيرة الأصفر الضخمة. ولكن بقية عيون قرى القطيف وعيون البحرين تصب بعد الري في البحر.

لقد كانت قوة دفع مياه تلك العيون رغم مرور آلاف السنين قوية وكثيفة حتى الثمانينات من القرن الماضي، إذ كانت تسقي أراض شاسعة الأطراف بوفرة دون انقطاع. وعليه، فقد قام خبراء عالميون بإجراء تجارب قياسية لقوة تدفق 32 عينا من عيون القطيف

والمشهورة بكثرة عددها وذلك في بداية الستينات من القرن العشرين الميلادي الماضي حيث كانت تضخ 36000 مترا مكعبا يوميا وتعادل 800,0000 جالونا، اي بمعدل 50 لترا في الثانية من كل عين واحده وهذا يعني أن عينا واحده تنتج 4320,000 لترا في اليوم الواحد. فماذا عن بقية جميع العيون في الواحات الثلاث؟

كل واحة من هذه الواحات الثلاث نالت عيونها مميزات اختصت بها؛ فالأحساء قد عرفت عيونها بضخامة احجامها كعين ام سبعة وعين مطيرفي، وأما البحرين فقد عرفت بشهرة عيونها في الخليج وعلى مدى التاريخ ولعل كونها جزيرة وأكثر انفتاحا على العالم فقد زاد من شهرة عيونها، كعين عذاري والتي ضرب بها المثل بأنها تسقي البساتين البعيدة دون القريبة وكذلك عين الرحى بستره وعين أبو زيدان وعين الجوهرة، فأغلب عيون البحرين مشهورة فقد سجل لنا التاريخ

-مثلا- عبارة فيها يعمم شهرة عيون البحرين ولكنه يبدؤها ببعض عيون القطيف حيث يقال:
"شنين وحنين وعين الصدين وعيون في البحرين". فشنين (الشنية) بقرية الجش وحنين (الحناءة) بين سيهات والجش وعين الصدين بالجارودية بالقطيف.

أما عيون القطيف فقد عرفت بكثرة عددها إذ بلغ عددها حتى بداية الثمانينات من القرن العشرين مايزيد عن الثلاثمائة وسبعين عينا.

وأما عن انواع هذه العيون فيصنفها مجتمع هذه الواحات حسب طبيعتها، فمنها ذات المياه المعدنية وكذلك ذات المياه الحارة والتي يستحم فيها الناس طلباً للشفاء من بعض الأمراض كما هو في عين الحارة وعين أم نجم في الأحساء وعين حمام أبو لوزه الكبريتي في القطيف. وتبنى فوق مثل هذه العيون حمامات قببية السقوف كما هو الحال في عين أم نجم والحارة في الأحساء وحمام أبو لوزه في القطيف.

إن بعض هذه العيون ليقصدها الناس للحصول على مياهها العذبة كعين القشورية بجارودية القطيف حيث يكلف الأثرياء عمالهم لجلب المياه منها للشرب، وبعضها يفضلها الكثير للإستحمام لخفة مياهها وبعضها تخصص للنساء لوجود سواتر وكذلك لقربها من الأحياء السكنية حولها مع أنه من المتبع أن تقسم في بعض العيون اوقات النهار بين النساء والرجال للسباحة. وبعضها مفضلة للعرسان

حيث يفضلونها لغرض الإستحمام (الغسالة) فيها ليلة الزفاف أو عصرية ما قبل الزفاف ويعقبها مهرجاناً كرنفالياً. ومع أن اغلب هذه العيون معروف بدفئ مياهها شتاءا وبرودة مياهها صيفاً، إلا أن هناك عيون يفضل الكثير من الناس السباحة فيها صيفا أو شتاءا وذلك لإرتفاع مستوى الدفئ فيها شتاءا و لإنخفاض البرودة في بعضها الآخر صيفاً. وبعضها يتهافت عليها الكثير من الناس من قرى مختلفة من الواحة لشهرتها.

وهناك عيون من نوع آخر وهي عبارة عن ينابيع عذبة في قاع البحر متواصلة بين البحرين والقطيف يفوق عددها الثلاثين ينبوعا قريبة من الهيرات (وهي مناطق و مكامن صيد اللؤلؤ) ينزل لها الغواصون بجرار فارغة وبأوضاع معينة لتلك الجرار لمنع دخول المياه المالحة البحرية فيها فتملأ من مياه الينابيع العذبة ثم يصعد بها إلى ظهر السفينة.

وهناك عيون قد تعرضت في القرن التاسع عشر لزحف رمال الدهناء عليها في واحتي القطيف والأحساء حيث طمر ذلك الزحف بعض القرى والمرافق العامة ومنها بعض هذه العيون الواقعة على الأطراف، فبدأ المجتمع بمقاومة هذا الزحف عن تلك العيون.

ففي القطيف اتخذ الأهالي اجراءات لصد هذا الزحف ومنعه من دفن عيون منطقة البدراني الواقعة غرب القطيف والتي كانت مزارعاً للأرز الأحمر المعروف بالهندية حيث بنو حولها أسوارا عالية وغطوا مصارف مياهها بأحجار بحرية تعرف بالفرش حيث قطعوها على هيئة ألواح رقيقة عرضها 60سم تقريبا

وأما اطوالها فمتفاوتة بين متر ومترين وتم تسقيفها بطريقة الجملون (أي على شكل رقم ٨ أو V مقلوبه)، وبنوا بين كل مئة متر تقريباً غرفة تفتيش وتهوية اسطوانية الشكل بقطر 80 سم تقريباً وبإرتفاع مترين عرفت بالتناقيب والتي لاتزال آثار كثير منها موجودة في أيامنا هذه في تلك المواقع.

وهناك عيون ينابيع تخرج من شقوق أراض جبلية منخفضة جداً، إذ تنحت قوة تدفق المياه جالا حول الينبوع مع مرور الزمن تعرف أحياناً بالجمة كالجمة العوده والجمة الصغيرة بالبحرين وأحياناً تعرف بالشريعة وتارة تسمى كوكب، وهي تشبه العيون الارتوازية في طريقة تدفقها

وكذلك في طول قطرها إلا أنها طبيعية. هذه العيون اختفت في نهاية الخمسينات من القرن العشرين وقد انشئت حولها أحياء وقرى سميت بأسمائها كحي الشريعة والكويكب وآخر بالمسعودية والسبتية بالقطيف وحي الجميمه (تصغير جمه) ببلدة العوامية بالقطيف.

في بداية القرن العشرين بدأ ظهور العيون الارتوازية artesian springs التي تثقب بحفارات تديرها معدات آلية ضخمة، وقد بدأ حفرها في فترة التنقيب عن البترول، حيث انتشرت هذه العيون في المزارع والبساتين وكذلك في وسط الأحياء السكنية لغرض توصيل المياه لكل منزل عبر الأنابيب وكذلك لغرض بناء حمامين احدهما للنساء والآخر للرجال في كل حي وقرية،

وقد يبنى أكثر من حمامين في وسط كل حي للإستحمام حيث تبنى غرفة مهواة فوق عين تصب في بركة غير عميقة لغرض الاستحمام لا السباحة أو غرفة بها صنابير مياه من الأعلى موزعة على جدران الغرفة (بشكل دش/شاور) ليرش كل صنبور على شخص يقف أسفله للاستحمام. ويتحكم في تدفق مياه هذه العيون وإيقافها متي ارادوا عن طريق وضع صنابير أو صمامات كبيرة(الفلف/الولف)،

وفي القطيف تم إعادة بناء جميع هذه الحمامات بعد تحويلها إلى غريفات صغيرة في مبنى واحد بداخل كل غريفة رشاش ماء (دش) ليكون الاستحمام مفرداً مراعاة للنواحي الصحية وكان ذلك عام 1972، وفي عام 2009 أزيلت جميع هذه العيون من القرى والأحياء القديمة.

و جدير بالذكر أنه كانت ولازالت حتى أيامنا هذه تبنى برك صغيرة في بعض البساتين والمزارع تتدفق المياه فيها من عيون ارتوازية عبر أنابيب كبيرة وبقوة دفع عاليه فيقصدها المزارعون وبعض الأهالي لغرض الاستحمام وهي في الأساس قد بنيت لغرض ري البستان الذي تصب فيه وكذلك لري بعض البساتين المجاورة، وقد تبنى فوقها حجرة صغيرة أو تترك معرضة للهواء الطلق .

إن لهذه العيون آثار و مكانة اجتماعية حيث يلتقي فيها أهالي الحي أو القرية فيقضوا فيها وقتاً ممتعاً بتبادلهم الأحاديث والأخبار والطرائف اثناء الاستحمام. وفي كل وقت من أوقات النهار أو الليل هناك مرتادين معينين لتلك العيون فهي بمثابة منتدى و ملتقى الأصدقاء أيضاً.

إن ثراء هذه الواحات بوافر من المياه المتدفقة من كل حدب وصوب والفائض عن حاجتها في الري والشرب والاستحمام و ذلك على مدار الساعة يخلق مشاكل كبيرة كالفيضانات وتشبع الأرض وغرقها وتركز الأملاح فيها وجرف تربتها، لذا عمد الأقدمون لحفر قنوات وجداول مختلفة الأحجام بمسميات ومصطلحات محلية وذلك من أجل تنظيم تصريف تلك المياه والتخلص من الفائض منها

وفضلاتها وذلك وفق أسس هندسية بارعة ودقيقة، إذ توزع المياه بين البساتين بمقدار منتظم وخلال مدة زمنية معينة في اليوم الواحد، ويعرف هذا التوزيع بالوضح، وكل أسبوع يحتوي على أربعة عشر وضحاً، أي وضحان لليوم الواحد. ويمكن تقسيم كل وضح إلى نصف وربع وثمن حسب مساحة المزرعة أو النخل أو البستان، والفائض منه كما ذكر اعلاه،

يتجه للبحر كما في البحرين والقطيف أو البحيرات أو اخوار كما في الأحساء والقرى الغربية للقطيف. تتجمع تدفقات هذه العيون كلها في جداول ضخمه قد يصل عرض بعضها لأكثر من مئة متر وتضيق احياناً لخمسة أمتار تعرف في الأحساء بمسمى "الثبر" وأما في البحرين والقطيف فيطلق عليها إسم "الساب".

ولكل ساب اسم يعرف به كساب أبو خمسه وساب أبو كحيل بالقطيف والساب العتيق بعالي في البحرين. والتفرعات الصغيرة منها تعرف بشكل عام بالضلع كما في البحرين والقطيف، وهي بمثابة الأوردة والشرايين؛ أي بعضها يسقي المزرعة وله مسميات كثيرة كالساقية والمشروب، وبعضها يجمع فضلات المياه وله أيضاً مسميات مختلفة كالسيبة والمرمى.

في نهاية الخمسينات عمدت وزارة الزراعة بالسعودية إلى تحويل أغلب هذه السابات والثبور إلى مشروع مصارف المياه في كل من الأحساء والقطيف. أما الأحساء فكانت طريقة تصميم مشروع الصرف والري فيها على شكل قنوات اسمنتية خرسانية (برود كاست) صبت على شكل حرف V معلقة على حوامل اسمنتيه على شكل Y ، أما الكبيرة منها فتثبت على الأرض وتسند من الجهتين بمساند على شكل مثلث أسمنتي، وكانت لها عدة احجام مختلفة من حيث العرض والإرتفاع، ولكن أحجامها الرئيسة هي ثلاثة.

وأما القطيف فمصارفها مصممة على شكل قنوات قد حفرت في الأرض مكونة جداول كبيرة موحدة الحجم والعمق وشكل مقطعها العرضي يشبه مثلث متساوي الساقين ورأسه في الاتجاه السفلي، ويعرفها الأهالي (بالسدود). ولعل سبب تسميتها بذلك هو أن اغلب العمال الذين عملوا في المشروع كانوا من الجنسية اليمنية،

وكانوا في نهاية كل يوم عند انتهائهم من العمل يخرجون جماعات وهم يرددون أغنية مصرية وطنية غناها محمد عبد الوهاب: "قلنا ح نبني.. وادي احنا بنينا السد العالي"، كانوا يرددوا هذا البيت فقط والأطفال يرددوها معهم فلربما تأثر الناس بها

وأطلقوا إسم السدود على هذه المصارف، وقد استمرت تسميتها بهذا الاسم حتى يومنا هذا. ورغم انتشار هذه المصارف في جميع انحاء القطيف بمدنها وقراها، إلا أن العديد من أجزاء تلك السابات القديمة لاتزال موجودة حتى أيامنا هذه بالرغم من مشروع تغطية هذه المصارف مؤخراً والذي بدأ في الثمانينات من القرن الماضي والذي يشارف على الانتهاء من تغطيته هذه الأيام.

أما البحرين فقد ظلت ساباتها كما كانت مع (توجين) و (تجصيص) اغلبها؛ أي بناء ضفتيها ما يجعل السباحة وغسل الملابس والأوعية فيها أمراً سهلاً، وقد استمرت على هذا الحال حتى دفن أغلبها ولم يبق منها إلا أجزاء لبعضها.

لقد كان لمكانة هذه العيون في حياة المجتمع والفرد أهمية كبيرة لدرجة أن كسب الكثير من الناس ودخلهم اليومي كان يتوقف معتمداً على تلك العيون؛ فهناك الرواي الذي يجلب المياه العذبة منها إلى المنازل أو بيعها في الأسواق، وهناك "الدوبي" الذي يغسل ملابس الناس على ضفاف مجاريها

وكذلك الغواصون الذين يقومون بتنظيف قيعان تلك العيون سنويا مقابل الأجر الوفير و ذلك في فصل الشتاء لأنهم في الأصل محترفي غوص اللؤلؤ إذ يغتنموا فرصة موسم القفال وكسر الغوص في البحر (أي موسم توقف عملهم في البحر شتاءا)، بالإضافة إلى القائمين بأعمال الصيانة والبناء لجدران جالات تلك العيون وتنظيف ساباتها وإزالة الحشائش التي قد تحجز المياه أو تلوثها .

وهناك العديد من فوائد هذه العيون لما تقوم به من ري الزرع وسقي الحيوانات التي يستأنسها و يستخدمها الإنسان، وكذلك كونها منتجعات يقضي فيها الناس أوقاتاً ممتعة ومريحة يومياً من أجل السباحة فيها والاستحمام اللذان يدخلان عليهم الحيوية والنشاط والتسلية والنظافة بالإضافة لممارسة الألعاب الرياضية التي تعتمد على المهارة في فن السباحة، بالإضافة إلى الكثير من فوائد هذه العيون التي لا يسع ذكرها.

لذا فقد قدس ذوي الايديولوجيات الوضعية من الأقدمين هذه المياه وحاكوا حولها الحكايات والخرافات والمعتقدات فأقاموا من أجلها طقوساً قد لا تقل عما كان يمارسها الفراعنة تجاه النيل حين كانت تزف له كل عام عروس هي من أجمل فتيات مصر وذلك تفادياً لسخطه عليهم بأن يغرقهم ويغرق أراضيهم والتي كانت تعرف بعروس النيل.

وأما عن عيوننا هذه فكانت هناك حكايات ميثيولوجية كثيرة كانت تعرف بالخرافات وكانت متداولة بين الأهالي. فمنها أن هذه العيون كانت هي التي تختار أجمل الفتيات لتجلبها إلى قاعها وتخفيها عن الناظرين. ولازال حتى عهد قريب كان يعتقد الكثير أن كل عين لابد أن تغرق شخصاً كل عام، فكان الأهالي ينهون أبناءهم عن السباحة ظهراً أو عند نهاية الشهر ليلاً بعد ميلاد الهلال.

و واقعاً أن هذه الظاهرة لا تخلو من الصحة ولكنها غلفت بقشرة من الميثولوجيات الشعبية وذلك لما للمد والجزر الخليجي من أثر في تحريك قوة تيار نبع الماء في بعض العيون رغم أن "هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج"، ففي ذروة المد البحري والمعروفة محليا ب"ماية اهلال" فإننا نلاحظ أن مياه بعض هذه العيون تتدفق بشكل أقوى لتأثير حركة أمواج البحر عليها،

فعندها تتشكل دوامات ماء أو أن قوة دفع الماء تلصق من يغوص في أعماقها بأحد جروفها حتى الغرق فيكون تفسير هذه الظاهرة أن العين حان موعد طلبها السنوي لشخص أو عريس أو عروس. ومن الحكايات الأخرى أن "راعيه العين" أو "صاحبة" أو "جنية العين" هي نفسها التي تطلب تلك الفدية،

وبها أيضاً يستغل الأهالي هذه المواقف في تخويف أبناءهم بها لتحديد أوقات ذهابهم للسباحة خشية خطر الغرق، لذا يحرص جيران العيون على تعليم اطفالهم السباحة في سن مبكر تفادياً خطر الغرق أيضاً. ومن المعتقدات أيضاً أن أول من يقدم لأي عين في الصباح الباكر متوقعاً أنه أول من جاء للسباحة فيها ذلك اليوم، فإنه يعمد لرمي حصاة صغيرة في وسطها معتقداً أنه يوقظها من نومها خشية أن تجذبه إلى تنورها أثناء تنفسها عند شهيقها الطويل فتغرقه.

وهناك العديد من الخرافات والميثولوجيات المتعلقة بالعيون التي تسطرها الحكايات الشعبية كقصة الفارس الشجاع إبن السلطان الذي جاب البلاد بحثاً عن عروس تناسبه فلم يجد من تروق له وعندما تعب، ربط حصانه في جذع قضب (شجرة) اللوز المطل على ساب إحدى العيون ليشرب هو وحصانه الماء وليستريحا من عناء السفر، فأكل بعض اللوز وأخذ يكسر "عنقيشه" أي نواته ومعه بعض الجوز على جال العين فسمع صوتا شجياً لفتاة تهتف من تحت الماء:
"يامكسر الجوز لاتكسر على راسي..
حملة ابن السلطان فاقلتني..
ودق الدقاق يدق على راسي".
فهتف سائلاً: "من المتكلمة؟"

فأجابته:
"الأول أني في رجول البابا قرحة..
جا لمحسن وشرطها..
ورماها(وفلتها) في البريه..
وجت الغزلان وسقتها..
وجا ابن السلطان وعشقها..
وجت أمه وغرقتها..
ياقضيب اللوز تهزهز..
ياقضيب اللوز تهزهز."
وشرح معاني هذه القصة أن

قضب اللوز هو شجرة اللوز الخليجي.
والأول: أي كنت في البداية.
أني: أي أنا،تقولها المرأة فقط في لهجة أغلب مناطق البحرين و القطيف.
رجول: رجل مفرد أرجل
القرحة: الدملة الكبيرة.

المحسن: بتشديد السين أي المزين أو الحلاق والذي يتولى بعض الأمور الجراحية بالإضافة للحلاقة.
شرطها: أي قصها بالمشرط.
ثم أن الفارس أبن السلطان أخرجها من تحت جلف العين فتفاجأ حين وجد جميع المواصفات المطلوبة تنطبق عليها فتزوجها وأقام حفلاً كبيراً.

ويطول المقام عند الكلام عن هذه الخرافات الميثولوجية والخرافات المحاكة وما كان يعتقده القدماء حول هذه العيون وما حدث فيها في سالف العصر و الأوان. وكذلك هناك من الطرائف والنوادر في تعليق أهالي بعض القرى على القرى الأخرى المجاورة ما يستحق ذكره،

كمن يدعي أن عيناً كانت تقع بين قريتين وحين طال النزاع عليها فقد اتفق أهل القريتين أن يقسموها بجذع نخلة طويل ليقسم قطرها من الأعلى إلى نصفين متساويين، وهكذا استمتع أهالي كل قرية بالسباحة في قسمهم ولكن أهالي إحدى القريتين ساءت نياتهم فعمدوا للذهاب في منتصف إحدى الليالي لتلك العين بأوعيتهم واخذوا يسرقوا الماء من قسم جيرانهم ويضعونه في قسمهم.

ومن الظريف في التعليقات أيضا أن نساء إحدى القرى حين وفدن على إحدى العيون في ليلة من منتصف أحد الشهور قد أصيبوا بالذعر حين أبصروا بصورة القمر منعكسة على مياه تلك العين ظناً منهم أن القمر قد سقط في العين فرجعوا القرية وهم يرتجزوا:
"طاح قمرنا في العين...
جيبوا احبال انجره".
وهناك العديد من الطرائف ولكن لنكتفي بهذا القدر منها.

ولما للماء من دور في الطهارة والاغتسال، وحيث أن هناك العديد من العيون التي بنيت على ضفافها المساجد -كما أشرت- فإن الكثير يوفون بنذورهم حول تلك العيون ذات المساجد كإقامة الولائم للمدعوين بمناسبات الزواج والختان وعند شفاء بعضهم ومناسبات الأفراح وغيرها.

أما الألعاب التقليدية الفلكلورية المرتبطة بالسباحة في العيون فلا حصر لها وهي تحتاج لمهارات في فن السباحة والغوص في أعماق العيون والغطس لدرجة أن البعض من اللاعبين قد اكتسب شهرة في بطولات تلك الألعاب وأن أغلب تلك الألعاب كانت تعتمد على الغطس و المطاردات في قاع العين أو المنافسة على مدة طول الغطس أو رمي حجر أو شيئاً ثميناً كساعة اليد

ومن ثم التسابق على جلبها من القاع. والجدير بالذكر أن جل هذه الألعاب تصحبها فلكلورات شعبية جميلة ترسم لوحات تعبر عن عادات المجتمع،

وأن لكل من الأولاد والبنات فلكلوراتهم وألعابهم الخاصة بهم حيث أنه (كما أشرت) أن بعض العيون تخصص للنساء وبعضها يقسم أوقات السباحة فيها بين النساء والرجال، لذا فلكل من الأولاد والفتيات ألعابهم الخاصة بهم وبعضها مشتركة.

وأن أغلب تلك الفلكلورات تكون على شكل حوار كأن يجلسن الفتيات على المستراح (الجلف) مصطفات بينما إحداهن تمر عليهن سابحة وهي ترتجز:
خوصه..موصه..تسبح في الما..
أنجر..انجرين..واقفين على الباب..
تحني..توني..يابت عمي اطلعي عني.

عندها تتحرك الفتات التي وقعت عليها عبارة "اطلعي عني" سابحة للجهة المقابلة.
ومن الألعاب الفلكلورية أن يختاروا إحدى الفتيات لتبدأ بقول:
"أغسل ارويسي في عين اميه..
شوفوا البحر طامي..طامي علي..
يوووه ! ضاع مشطي!!
فيسألوها: ويش رنقه؟ اي "ويش لونه".. احمر؟ لا.. اخضر؟ لا..(وبعد تعداد مجموعه من الألوان) تبرز فتاة فتسأل:حبة البرنجوش؟فتجيبها: إيه..
فتبدأ مطاردة البنات في أعماق الماء.

وأما ألعاب الأولاد في العيون فقد تكون اكثر عنفاً فهي تحتاج أحيانا للقفز في الماء من أعالي مرتفعات حول العيون أو المطاردات في أعماق العين ولمدة طويلة، وتبعاً لذلك فإنه من الطبيعي نلاحظ أنه حتى عبارات وألفاظ فلكلوراتهم تكون أكثر قسوة! فمن تلك الألعاب المصاحبة للفلكلورات-مثلا:

أن أحد الأولاد يقف في جهة مقابله لبقية الأولاد، فيبدأ بتلقينهم
الولد: هدوا لمسلسل
الأولاد:هدوه
الولد: تراه جاكم
الأولاد:هدوه
الولد: بينفر عشاكم
الأولاد:هدوه
الولد: في رأسه صوفه
الأولاد:هدوه
الولد:اكبر التوفه
الأولاد:هدوه
الولد (بصوت أرفع): جاكم أبوكم.
الأولاد يغوصوا مسرعين لقاع العين، فيبدأ الولد بمطاردتهم.

هذا نموذج بسيط من الألعاب التي كان يمارسها أهالي المنطقة للتسلية اثناء سباحتهم في تلك العيون حين كانت نضاحة بمياهها الباعثة للبهجة والسرور في النفوس.

إن ما يورث في النفس حسرة فهو أفول تلك العيون بشكل مفاجئ؛ ففي الستينات و السبعينات من القرن الماضي بدأ ظهور ضعف غير ملحوظ في القليل من تلك العيون وكانت العين التي يغور ماؤها نوعاً ما تسمى خسيفا، وفي الثمانينات بدأ مستوى مياه عيون الواحات الثلاث ينخفض بنفس المستوى بنظام الأواني المستطرقة.

وفي عام 1996 على وجه التحديد بدأ نضوب هذه العيون بشكل مفاجئ ملحوظ وكأنه وباء الطاعون الذي حل في شبه الجزيرة العربية في بداية القرن الماضي، فبين يوم وليلة نسمع بنضوب ماء العين الفلانية في المكان الفلاني ! فكانت كارثة صدم بها الناس حائرين أمامها إذ ليس بمقدورهم إرجاعها ولا بإمكانهم فعل ما يوقف ذلك النضوب الغريب !

عند مقارنة آلاف سني التدفق بلحظات نضوبها ندرك أن هناك ظروف جبارة طرأت فجأة فشكلت عوامل متعددة لتهيئة هذا النضوب، عوامل كان للإنسان يد في خلقها.

إن أكبر خطر تسبب في تجفيف هذه المياه هو حقن آبار الزيت بالمياه المستخرجة من خزاناتها الجوفية بواسطة مضخات "بايرن جاكسون" الألمانية العملاقة والتي وصلت قوة شفطها للمياه أن جرفت قيعان الخزانات بعد تجفيفها ولم تتركها صالحة لحفظ المياه فتسرب ما تبقى منها لطبقات أخفض وذلك منذ بداية سبعينيات القرن العشرين حيث استمر الشفط والضخ حتى التسعينات التي بان فيها النقص فالنضوب.

وثمة عوامل اخرى جانبية ساعدت على ذلك النضوب هو كثرة حفر العيون الارتوازية والتي كانت تتدفق ليلاً نهاراً دون استخدام المضخات وبدفع قوي ولكنها أصبحت عاجزة في الدفع تماماً بدءا من الثمانينات فكثر استخدام المضخات وإن كانت بداية ذلك الاستخدام لهذه المضخات في الستينات وذلك من أجل الحصول على كميات اكبر في زمن أقل، لقد ظهرت هذه العيون الارتوازية في بداية القرن العشرين ولكن عددها بلغ أوجه في الثمانينات من نفس القرن.

وسبب آخر هو تغير المناخ وارتفاع درجة الحرارة التي ساعدت على تبخر المياه بكميات اكبر.

كما أن كثرة بناء السدود في غرب أفريقيا وغرب شبه الجزيرة العربية منعت تدفقات مياه الأمطار والأنهار وتسرباتها من الاتجاه إلى الشرق وذلك تحت باطن الأرض لتغذيتها المستمرة والتي كانت في العادة تنساب باتجاه الشرق لإنحدار الأنهار الباطنية لهذه المنطقة وتكوين مكامن المياه الجوفية وخزاناتها الهائلة في هذه المنطقة.

إن المضحك المبكي هو رغم انه لم يمض عشرون عاماً على نضوب هذه العيون إلا أننا نتفاجأ بنكران هويتها فقد فاجأنا أحد الشباب من ذوي الفضول والاستكشافات حين وجد آثار عين طالما تغنى بها الشعراء وطالما انست بمرتاديها واستأنسوها ليلا نهارا،

إنها عين الحناءة في قرية اسمها برزا التي اندثرت والواقعة بين سيهات والجش بواحة القطيف. فما كان من هذا الشاب إلا أن راح يوسعها تصويرا بمقاطع أفعمها بالتعليقات على أنها آثار مبان لبيوت قديمة تحت باطن الأرض وراح يصف فتحات مجاريها على أنها (روازن) لحفظ الأشياء بالإضافة إلى تخمينات أخرى.

فلكي لا تتضارب الأقوال في ما سطرته ملحمة جلجامش وكذلك ما كتبه المؤرخون عن هذا الواقع الذي سحب عليه الدهر ذيله فحوله لمجرد رسوم لآثار كانت واقعاً وذلك مع من سيحتار في أمره من جيل المستقبل حول هذه العيون،

ولكي لا تضيع ما قدمته لنا هذه العيون من نبع فياض، فلابد لنا من وقفة وفاء بكل إجلال واحترام، لابد لكل من يرى أن له مقدرة على الأقل في إبراز دور هذه العيون ومياهها من كتاب ومصورين وفنانين وعلماء آثار ومعماريين وغيرهم من المهتمين من أن يقوموا بتكريم هذه العيون وذلك بتوثيق وإبراز دورها في نماء المجتمع وبناء حضارته على مر السنين، كما ويتوجب علينا الحفاظ على ما تبقى من  أثار هذه العيون تكريماً لها وإن كان ذلك أثــرٌ بعد عين.


مجلة الموروث الشعبي الالكترونية / مملكة البحرين

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات