» بلدية القطيف ترصد 10 ملايين لتأهيل السوق القديم بتاروت  » مخ المرأة لا يخلد للراحة مثل الرجل  » 3 آلاف ريال غرامة تجاوز الحافلات المدرسية عند التحميل  » خريجو الإدارة الصحية على بند «العطالة»  » سيهات تختتم فعاليات جميلتها  » الإرهاب يتسلل إلى المنظمات الدولية  » «التعليم»: لا حرمان إلا بقرار  » «البنوك»: لا ضريبة مضافة على القروض بأثر رجعي  » السماح للسعوديين بإكمال الدراسات العليا في البحرين  » «الضمان الصحي»: تطعيم الإنفلونزا مغطى ضمن منافع وثيقة التأمين  
 

  

د.محمد حسين آل هويدي - 03/01/2016م - 2:13 م | مرات القراءة: 15881


بسم الله الرحمن الرحيم - أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «9» وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

«10» فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «11» لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ «12» شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ «13» – صدق الله العلي العظيم - الشورى.

في الثامن من يناير 1942م أبصر النور في أكسفورد بالمملكة المتحدة العالم الفيزيائي والرياضي المشهور ستِـيـفِـن هُوكِنْگ «Stephen William Hawking» وهو قامة علمية مُمَيّـزَة ورقم صعب في المجال الذي يخوضه ويُعتبر مرجعا لكثير من القضايا التي تخصّ الفيزياء والكون. في عام 1963م أُصيب هوكنگ بمرض عصبي وأُعطي سنتين لكي يعيشها ولا يتعداها، ولكن إلى يومنا هذا وأنفاسه لم تتوقف حتى بعد أن تجاوز الثالثة والسبعين من عمره، وهذا بحدّ ذاته إعجاز لو فكرنا في الأمر مليّا؛ ليس غرضنا نقاش وعرض الإعجاز، ولكن مقارعة العلم بالعلم.

قبل عدة أشهر، أرسل إليّ أحد المشايخ الكرام شابا أربكه قول هوكنگ في عدم الحاجة لوجود خالق لهذا الكون. بالرغم ممّا وصل إليه من علم، لا يدّعي هوكنگ النبوّة أو العصمة، وإنْ حاول البعض أنْ يعطيه هذه الصفة، يظل هوكنگ إنسانا يصيب ويخطئ كما أصاب وأخطأ العلماء الذي سبقوه، وسيخطئ من سيأتي بعده. لتبسيط الموضوع، يقول هوكنگ إنّ الكون نشأ من لا شيء،

ولا اعتقد أننا نختلف معه؛ خصوصا، أنّنا من المؤمنين بأن الله "ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوّنها بقدرته، وذرأها بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها إلا تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريته، وإعزازاً لدعوته". والإعجاز عادة يأتي من خلق الشيء من لا شيء، وإن كان في كثير من الأحيان خلق شيء من شيء آخر أمر متعذر الحدوث إذ لا يمكننا أن نخلق بشرا من حجر. خَلْقُ الشيء من لا شيء دليل القدرة المطلقة،

ومن يعتقد أنّ خلق الشيء من لا شيء أمرٌ مقبول وبسيط دون أيّ تدخل خارجي فسنوفر له كل الموارد المتاحة لكي يخلق لنا بشرا سويّا أو يصنع لنا آلة لتعيش 14 مليار سنة دون أنْ يصيبها عطب وقادرة على إصلاح نفسها في حال أيّ خلل أو طارئ.
الإشكال الذي طرحه هوكنگ في الخالق قوله إن الوقت لم يكن موجودا قبل الانفجار العظيم ومنه فإنه لم يكن عند الخالق وقت ليبدأ الانفجار.

وهذا الكلام مردود عليه علميا وفلسفيا ومنطقيا. من ناحية فلسفية، هوكنگ يجعل الله جزءا من الكون، وهذا متعذر أساسا. منطقيا، من يخلق الشيء لابد أن يكون خارجه وإلا لما استطاع أن يخلقه. أما علميا فإدراكنا موجود وذلك بدليل أننا نفكر، كما أشار من قبلُ رينيه ديكارت. العلماء لا ينكرون الوجود ويذهبون في الغالب إلى رأيين أساسيين، وهما إما إننا مخلوقون كما نحن بمادتنا أو أننا مجرّد محاكاة «simulation» في جهاز حاسوب تقوم به كائنات ذكية،

وليس الهدف هنا ترجيح قول على آخر. في حال أننا مجرد أحلام في جهاز محاكاة، فهذا يتطلب حتما كائنات ذكية لتخلق هذه المحاكاة؛ وبالقياس، يُسْتَحَالُ أنْ تُوجِد لعبة ڤيديو «video game» نفسها بنفسها «ألعاب الڤيديو عبارة عن برامج محاكاة بين اللاعبين واللعبة حيث تتحرك شخصيات اللعبة على حسب ما يصدره اللاعب من أوامر»،

خصوصا إذا عرفنا درجة التعقيد التي تـمّر بها. أي لعبة ڤيديو على هذه البسيطة لا يمكن أن تصل لجزء بسيط من تعقيد هذا الكون ولا حتى أبسط شيء فيه، ومن يلعب هذه الألعاب يجد أن المشاركين في التصميم والتنفيذ عشرات من العلماء في مجالات مختلفة ومنها الفيزياء والرياضيات والحوسبة والفنون. وعليه نخلص أنه لأي محاكاة -مهما بَسُطَت- صانع يُنْشِئُها.

قد يسمونه هم كائنات ذكية أو ما شابه، ولكن نحن نعتبره كيانا واحدا أحدا قادرا ومصوّرا، والفرق هنا فقط في تصوّر الخالق وكيفيته؛ وإن اختلفت المسميات، ولكنه يبقى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ولا تدركه الأبصار – "الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيته".

عودا للحالة المادية التي أُنشئ بها الكون، وهذا هو التصوّر السائد، يقول هوكنگ إنّ الكون يتألّف من طاقة «العلماء يصنفون المادة كنوع من الطاقة» ومكان «الحركة في هذا المكان تعطي البعد الزمني»، ولا يخفى على هوكنگ وعلماء الفيزياء والمثقفون أنّ هناك مخلوقات وموجودات في هذا الكون لا تتأثر بالزمن ومنها الضوء «طاقة» والثقوب السوداء «مادة». لقد نظّر آينشتاين من قبلُ أنّ الشعورَ بالزمن يتأثّر بسرعة الجسم، وهذا مثبوت عمليا ومحسوم اليوم. كلُّ الأجسامِ يتأثر زمنُها عكسيا مع السرعة والتسارع «الجاذبية». أيُّ جسم يصل لسرعة الضوء يتوقف لديه الزمن ولا يؤثر عليه إطلاقا.

الضوء جزء من هذا الكون ولا يخضع لتأثير الزمن. أيضا، أي جسم يقع تحت تأثير جاذبية مهولة «الجاذبية عبارة عن تسارع» يقف عنده الزمن، كما يحدث ذلك في الثقوب السوداء. للتوضيح، جميعنا يعرف معنى السرعة ويتصورها؛ مثلا، مركبة تمشي بسرعة 100 كم في الساعة، وعادة يقيس العلماء السرعة بالمتر في الثانية.

أما التسارع فهو فرق السرعة بين زمنين؛ مثلا، المركبة التي تسير بسرعة 100 كم الآن وتحافظ على نفس السرعة بعد ثانية لا تتسارع ويقال إنّ تسارعها صفر. ولكن المركبة التي تنطلق من الصفر إلى مسافة 10 متر في خلال ثانية، يقال إنّ تسارعها 10 متر بالثانية المربعة، والعكس أيضا قد يحدث حينما تتباطئ المركبة عندما تضغط على المكابح فيصبح تسارعُها بالسالب، وهذا ما يُطلق عليه اصطلاحا "تباطئ". من هنا نستخلص أنّ الزمن لا يؤثر على مخلوقات في هذا الكون إذا وقعت تحت ظروف استثنائية،

ومن السفه أن نجعل زمن هذا الكون يؤثر على خالقه، خصوصا إذا عرفنا أنّ الخالق خارج وليس داخل هذا الكون «بمعنى أن ما يحدث في الكون لا يؤثر على الخالق بينما العكس ليس صحيحا، أي أنه سبحانه يتحكم ويؤثر على هذا الكون كيفما يشاء»، بل حتى وإنْ اعتقد البعض بوجود الخالق عزّ وجل داخل هذا الكون «وهذا رأي لا يميل إليه أهل العرفان لأن الله لا يمكن أنْ يحدّه زمان أو مكان – الكون هو المكان» فإن الزمن لا يمكن أنْ يؤثر عليه كما لا يستطيع هذا الزمن أنْ يؤثر على الضوء أو الثقوب السوداء.

من زاوية أكثر تعقيدا، يُنَظِّر بعض العلماء، من أمثال بـرايِن گـرِيـن «Brian Greene»، لوجود أكوان متعددة يصفها ويصنّفها بأشكال مختلفة «نطاقها خارج هذا المقال البسيط» ويؤكد گـرِيـن على وجود كون جذري على الأقل وله نظامه الخاص ويتحكم هذا الأصل في الفروع الأخرى إن كانت نتيجة لمحاكاة، بما يعني، أنّا لو افترضنا أنّ كلَّ الأكوانِ عبارةٌ عن محاكاة حاسوبية،

لابد أنْ يكون هناك كونا أساسيا خارج هذه المحاكاة ولابد من وجود كائنات عاقلة تتحكم في الأكوان الفرعية. يُـعْـتَـبَـرُ گـرِيـن اليوم نسخة محسّنة ومعدلة من هوكنگ وله كتب ومحاضرات وأبحاث بخصوص فرضيات تعدد الأكوان ونظرية الأوتار التي تشمل النظريتين النسبية والكمية. أما إذا نظرنا للأكوان وكأنّها متوازية أو غير متوازية ولا علاقة لأي منها بالآخر فإن لكل كون قوانين وأنظمة مختلفة عن الأكوان الأخرى بما يعني أنّ زمنَ كونٍ مَا لا يمكن له أنْ يؤثر على كون آخر،

وبما أنّ الأمثلة تضرب ولا تقاس، لو افترضنا وجود الله سبحانه في كون آخر خارج هذا الكون الذي يحدّنا فإنه من المستحيل أن يؤثر زمن هذا الكون عليه جلّ وعلا. ولتقريب الصورة، لنفترض أنك تمتلك حاسوبا يحتوي على برنامج محاكاة فإن هذا البرنامج لن يعمل إلا حينما تضغط على زر التشغيل، ومع بداية التشغيل يبتدئ برنامج المحاكاة، عندها زمن كائنات البرنامج يبدأ مع الضغطة بينما هذه البداية لا تؤثر عليك البتّة، بل يمكنك إيقاف البرنامج «pause» ومن ثم إعادة تفعيله دون أن تشعر الكائنات بهذا التوقف،

وكذلك لن يؤثر عليك هذا التوقف إطلاقا لأنك المتصرّف به. مع التأكيد أنّ الأمثلة تضرب ولا تقاس، لو فرضنا أنّ الله سبحانه ضغط زرّا لينشئ الانفجار العظيم فإنه جلّ وعلا ليس بحاجة لوقت يُسْتَقْطَعُ من هذا الكون ليـتـمكن من ضغط هذا الزر، خصوصا بعد أنْ عرفنا أنَّ أزمان الأكوان غيرُ متداخلة ولا علاقة لبعضها بالبعض، هذا بالإضافة لوجود مُكوِّنات في هذا الكون لا تتأثر بزمنه أصلا.

لنعد أدراجنا للمنطق من جديد ونتذكر العلاقة المتعدية التي تربط بين أمرين لا علاقة مباشرة بينهما إطلاقا ولكن من خلالها يمكن أنْ نصل إلى نتيجة صحيحة بنسبة 100%، ومثال على ذلك لو قلنا إنّ عنترة أطول من المهلهل، وأنّ مهلهلا أطول من صخرٍ، فإنه حتما نستطيع أنْ نصل إلى نتيجة مفادها أنّ عنترة أطول من صخر دون ريب أو الحاجة لقياس طوليهما جنبا إلى جنب.

الآن، لو قلنا إنّ الطفلَ يحبو ولا يمشي، فمن المؤكد أننا نستنتج أنه لا يمكن لهذا الطفل أنْ يـركض لأنَّ الركض أصعب من المشي. كلنا نعلم، وبما في ذلك علماء الكون والحاسوب والرياضيات، أنّ المحاكاةَ أبسطُ من الخلقِ الفعلي؛ مثلا، يمكننا محاكاة الانفجار العظيم منذ بدايته إلى اليوم -

وفيما بعد أيضا- بالحاسوب ولكنه يستحال علينا أن نخلق إنفجارا بهذه الضخامة كونه أصعب وأعقد بمليارات المرات. العلماء يتفقون أنّ أيَّ برنامج محاكاة بحاجة لمخلوقات ذكية لتقوم به بالرغم من أنّه أبسط بكثير من الخلق الفعلي، فكيف بالبعض يُحتّم وجود الخالق والمصمم والمبتكر للبسيط ولا يقبل وجوده للأصعب؟!

خلاصةً، نستنتج أنّ هذا الكون، بغضّ النظر كان فعليا أو محاكاة، بحاجة لخالق ومدبّـر ومبتكر، سواء كان هذا الكون وحيدا فريدا أو جزءا بسيطا من أكوان لا متناهية في العدد، حتى ولو قفزنا على عِـلِّـيـة الأسباب من ناحية فلسفية، واكتفينا فقط بالظروف الطبيعية، وذلك رجوعا للنظريات العلمية المتاحة والمقبولة في هذا العصر، إذْ تطرقنا لأكثر من مثال علمي وفلسفي ومنطقي لنصل إلى نتيجة وجود خالق ومدبر من دون ريب،

ومن يستطيع أن يثبت غير ذلك فالمجال مفتوح شريطة أن يتّبع الأساليب العلمية المتاحة وعدم القفز عليها وهذا بالإضافة إلى التخلص من محاولة فهم كنه الخالق لأنّ استيعابه متعذر على البشر كما يتعذر استيعاب هذا الكون للدودة العمياء التي تعيش في نقطة -من بعد واحد- لا يهمها سوى رزقها. تفكّروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات