» ارتداء الخواتم والساعات محظور على بائعي المقاصف المدرسية  » لمنع الاحتكار.. «الغذاء والدواء»: لا اتفاق مع شركات محلية لتسويق «الجنيس»  » العواد: تطوير دمج مراحل الصفوف الأولية  » سلطات الكويت ترصد بقعة زيت مجهولة المصدر جنوب البلاد  » قطار الزواج لا يتوقف في محطة المسنين  » جمعية الفلك بالقطيف تعتمد إضافة خانة اعتراض الفجر لتقويم الجمعية  » حسن السبع... «صانع البهجة»  » المنبر الحسيني وعظم المسؤولية  » فواتير المياه مجددا .. أرقام تلتهم الميزانية  » الفرج : السعر الأقل تسبب في تعثر مشاريع حكومية  
 

  

سماحة الشيخ احمد سلمان - 28/11/2015م - 12:00 م | مرات القراءة: 9192


الحادثة في السير:
نقل الدكتور حرفيا عبارة شعيب الأرنؤوط (وقصة نوم علي في فراش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) رويت في كتب السير وغيرها ليس لها إسناد قائم)

والجواب:

لا أدري أكان نقله لهذا الكلام عن بحث وتحقيق وتتبّع أم مجرد قصّ ولصق لما ذكره محقّق كتاب مسند أحمد؟!

فمن ينظر في كتب السير يجد أنّها تطفح بذكر هذه القصة بأسانيد متضافرة لا تكاد تجد قضية تماثلها من جهة كثرة النقل وجودة الإسناد:

فقد ذكر الحادثة عروة بن الزبير صاحب أول تصنيف في المغازي والسير: وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وإن مشركي قريش أجمعوا أمرهم ومكرهم على أن يأخذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإما أن يقتلوه أو يحبسوه أو يخرجوه، فأخبره الله بمكرهم في قوله: "وإذ يمكر بك الذين كفروا" الآية، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر من تحت الليل قبل الغار بثور، وعمد علي فرقد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يواري عنه العيون. (تاريخ الاسلام 1/667)

وذكر الحادثة ابن اسحاق  في سيرته مسندة, قال: قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي، قال : لما اجتمعوا له ، وفيهم أبو جهل بن هشام ، فقال وهم على بابه : إن محمد يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ، ثم بعثتم من بعد موتكم ، فجعلت لكم جنان كجنان الأردن ، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ، ثم بعثتم من بعد موتكم ، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها, قال: وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ حفنة من تراب في يده، ثم قال: نعم أنا أقول ذلك ، أنت أحدهم ،

وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، فلا يرونه ، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم وهو يتلو هؤلاء الآيات من يس: {يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم تنزيل العزيز الرحيم} إلى قوله: {فأغشيناهم فهم لا يبصرون - 1 و 9 من سورة يس } حتى فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الآيات ، ولم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب ، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم فقال: ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمدا ، قال : خيبكم الله ! قد والله خرج عليكم محمد ، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا ، وانطلق لحاجته ، أفما ترون ما بكم ؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه، فإذا عليه تراب ، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقولون : والله إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده ، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا ، فقام على رضي الله عنه عن الفراش ، فقالوا : والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا. (سيرة ابن هشام 2/334)

ومحمد بن كعب القرظي كان من أئمة التفسير بحسب تعبير الذهبي (سير أعلام النبلاء 5/67) وقد ساق هذا الخبر في سبب نزول الآيات الأولى من سورة يس.

ونقلها ابن اسحاق بسند آخر يصلح أن يكون شاهدا على ما تقدّم, قال: فحدثني من لا أتهم من أصحابنا ، عن عبد الله بن أبي نجيح ، عن مجاهد بن جبير أبى الحجاج وغيره ممن لا أتهم  عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال:... (سيرة ابن هشام 2/331)

كما رواها البيهقي في دلائل النبوة بعدّة أسانيد عن موسى بن عقبة صاحب المغازي المشهورة, قال: وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان قال أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي قال حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة, وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني قال حدثنا جدي قال حدثنا إبراهيم بن المنذر

 قال حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري وهذا لفظ حديث إسماعيل قال ومكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش اجتمعوا أن يقتلوه أو يخرجوه حين ظنوا أنه خارج وعلموا أن الله عز وجل قد جعل له مأوى ومنعة ولأصحابه وبلغهم إسلام من أسلم ورأوا من يخرج إليهم من المهاجرين فأجمعوا أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يثبتوه فقال الله عز وجل (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين)

 وبلغه في ذلك اليوم الذي أتى فيه أبا بكر أنهم مبيتوه إذا أمسى على فراشه فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في جوف الليل قبل الغار غار ثور وهو الغار الذي ذكر الله عز وجل في الكتاب وعمد علي بن أبي طالب فرقد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يواري عنه وباتت قريش يختلفون ويأتمرون : أيهم يجثم على صاحب الفراش فيوثقه فكان ذلك أمرهم حتى أصبحوا فإذا هم بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم أنه لا علم له به فعلموا عند ذلك أنه قد خرج فاراً منهم فركبوا في كل وجه يطلبونه. (دلائل النبوة 2/456)

ونسب إليه الرواية ابن حجر في الفتح, قال: وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال فرقد علي على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يورى عنه وباتت قريش تختلف وتأتمر أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه حتى أصبحوا فإذا هم بعلي فسألوه فقال لا علم لي فعلموا أنه فرّ منهم. (فتح الباري 7/184)

وقد نقلها عن الزهري الذي ألّف في المغازي, وتتلمذ على يد عروة بن الزبير أوّل من كتب في السير, فتنبّه.

ورواها ابن سعد في الطبقات بعدة أسانيد, قال: أخبرنا محمد بن عمر قال حدثني معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قال وحدثني بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين بن أبي غطفان عن بن عباس قال وحدثني قدامة بن موسى عن عائشة بنت قدامة قال وحدثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال وحدثني معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن مالك بن جعشم عن سراقة بن جعشم دخل حديث بعضهم في حديث بعض قالوا 

وأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر وأمره أن لا ينام في مضجعه تلك الليلة وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال إن الله عز وجل قد أذن لي في الخروج فقال أبو بكر الصحابة يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم قال أبو بكر فخذ بأبي أنت وأمي إحدى راحلتي هاتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن وكان أبو بكر اشتراهما بثمانمائة درهم من نعم بني قشير فأخذ إحداهما وهي القصواء وأمر عليا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة فبات فيه علي وتغشى بردا أحمر حضرميا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام فيه واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون ثيابه... (الطبقات الكبرى 1/228)

ورواها ابن جرير الطبري بعدة أسانيد في تاريخه, قال:  فحدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد بن جبر أبى الحجاج عن ابن عباس قال وحدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس والحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس:... (تاريخ الطبري 2/98)

أمّا ابن عساكر فقد أورد للحادثة أكثر من طريق في تاريخه, قال: أخبرنا أبو القاسم بن السمرقندي أنا عاصم بن الحسن أنا أبو عمر بن مهدي أنا أبو العباس بن عقدة نا الحسين بن عبد الرحمن بن محمد الأزدي نا أبي نا عبد النور بن عبد الله عن محمد بن المغيرة القرشي عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن ابن عباس قال بات علي ليلة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين على فراشه ليعمي على قريش وفيه نزلت هذه الآية "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله". (تاريخ مدينة دمشق 42/67)

ورواها بسند آخر عن ابن عباس, قال: أخبرنا أبو الأعز قراتكين بن الأسعد أنا أبو محمد الجوهري أنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان نا أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني نا أحمد بن عبد الرحمن بن سراج ومحمد بن أحمد بن الحسن القطواني نا عباد بن ثابت حدثني سليمان بن ق حدثني عبد الرحمن بن ميمون أبو عبد الله حدثني أبي عن عبد الله بن عباس أنّه سمعه يقول: أنام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليّا على فراشه ليلة انطلق إلى الغار

 فجاء أبو بكر يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأخبره علي أنه قد انطلق فاتبعه أبو بكر وباتت قريش تنظر عليا وجعلوا يرمونه فلما أصبحوا إذا هم بعلي فقالوا أين محمد قال لا علم لي به فقالوا قد أنكرنا تضررك كنا نرمي محمدا فلا يتضرر وأنت تضرر وفيه نزلت هذه الآية "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله". (تاريخ مدينة دمشق 42/67)

كما رواها بسند متصل عن أمير المؤمنين علي عليه السلام, قال: قال ونا ابن شاهين نا أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني نا أحمد بن يوسف نا محمد بن يزيد النخعي نا عبيد الله بن الحسن حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده رافع قال عبيد الله بن الحسن وحدثني محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن أبي رافع قال عبيد الله بن الحسن وحدثني محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن أبي رافع أنّ عليا

كان يجهز النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بالغار ويأتيه بالطعام واستأجر له ثلاث رواحل للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ودليلهم ابن أريقط وخلفه النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليه أهله فخرج وأمره أن يؤدي عنه أمانته ووصايا من كان يوصي إليه وما كان يؤتمن عليه من مال فأدى أمانته كلها وأمره أن يضطجع على فراشه ليلة خرج وقال إن قريشا لن يفقدني ما رأوك فاضطجع علي على فراشه فكانت قريش تنظر إلى فراش النبي صلى الله عليه وسلم فيرون عليه رجلا يظنونه النبي صلى الله عليه وسلم... (تاريخ مدينة دمشق 42/68)

علما أنّ الدكتور قد غفل أو تغافل عن طرق أخرى للحادثة ذكرت في كتب الحديث وهي شواهد قوية تفيد في هذا الباب:

ما رواه الحاكم النيسابوري في مستدركه وصححه: أبو بكر محمد بن إسحاق أنبأ محمد بن موسى القرشي ثنا عبد الله بن داود ثنا نعيم بن حكيم ثنا أبو مريم الأسدي عن علي رضي الله عنه قال لما كان الليلة التي امرني رسول الله صلى الله عليه وآله ان أبيت على فراشه وخرج من مكة مهاجرا... (المستدرك 3/5)

وما نقله أيضا من أبيات مسندة عن أمير المؤمنين عليه السلام يفتخر فيها بما صنعه في ليلة الهجرة, قال (المستدرك 3/4): وقد حدثنا بكر بن محمد الصيرفي بمرو ثنا عبيد بن قنفذ البزار ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا قيس بن الربيع ثنا حكيم بن جبير عن علي بن الحسين قال إن أول من شرى نفسه ابتغاء رضوان الله علي بن أبي طالب وقال علي عند مبيته على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله:

وقيت بنفسي خير من وطئ الحصا * ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر

رسول إله خاف أن يمكروا به * فنجاه ذو الطول الإله من المكر

وبات رسول الله في الغار آمنا * موقى وفى حفظ الإله وفى ستر

وبتّ أراعيهم ولم يتهمونني * وقد وطنت نفسي على القتل والأسر

إنما أوردت ما وسعني جمعه في هذه العجالة ولو تتبّعنا كتب السيرة وكتب التاريخ لوجدنا طرقا أخرى للحادثة, ولهذا قال ابن ناصر الدين الدمشقي: وهذه القصة مشهورة معروفة متفق على معناها بين المحدثين والأخباريين والمفسرين...(جامع الآثار في مولد النبي المختار 4/1799)

ولعلّ كثرة طرقها يؤكّد دعوى أبي جعفر الإسكافي في تواتر قصة المبيت, حيث قال:...لأنّه قد ثبت بالتواتر حديث الفراش، فلا فرق بينه وبين ما ذكر في نص الكتاب، ولا يجحده إلّا مجنون أو غير مخالط لأهل الملة... (شرح نهج البلاغة 13/262)

مخالفتها لما ورد في الصحيح:

قال الدكتور نقلا عن الأرنؤوط: (وقصة تأخر خروج أبي بكر إلى رسول الله ( عليه الصلاة والسلام) في الهجرة مخالفة لما ثبت في البخاري من أنهما خرجا معا من بيت أبي بكر. وما رواه البخاري يؤكد ضعف هذه الروايات)

والجواب:

أولا: لقد سبق للإجابة على هذا الإشكال الدكتور المحقق أكرم ضياء العمري في كتابه القيم (السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدّثين), حيث قال بعد ايراده الرواية وتحسينها: ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح، ولكن يمكن التوفيق بينهما، لأن رواية الصحيح ليست صريحة في ركوبهما من بيت الصديق رضي الله عنه, فإذا افترضنا أن اصطحابهما معاً جرى من بئر ميمون أمكن التوفيق بين الروايتين. (المصدر 1/207)

كما يمكن الجمع بين الروايتين بوجه آخر, وهو أنّ رواية أبي بلج ذكرت دخول أبي بكر إلى بيت النبي صلى الله عليه وآله ليلا بقرينة نوم علي عليه السلام على فراشه, أمّا رواية الصحيح فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد جاء لبيت أبي بكر في (نحر الظهيرة), ومن هنا يمكن القول بأنّ أبا بكر جاء لبيت النبي صلى الله عليه وآله فلم يجده ووجد عليا عليه السلام, فرجع إلى بيته وانتظر قدوم النبي صلى الله عليه وآله إليه لأخذ الراحلة ومنها إلى بئر ميمون نقطة الانطلاق في رحلة الهجرة.

وعليه فالجمع بين الروايتين ليس بالأمر الممتنع أو حتى العسير فلا يبقى لهذا الإشكال عين ولا أثر.

ثانيا: لو سلّمنا بوجود معارضة بين الروايتين فلا يوجد مبرّر لإسقاط هذه الرواية لمجرّد وجود معارضها في صحيح البخاري, فإنّه من المعلوم بالضرورة في علم الحديث اشتمال الصحيحين على كثير من الأحاديث التي احتوت أخطاء في ألفاظها, ومن قرأ الكتب التي تعرّضت لشرح أحاديث الصحيحين سيجد عشرات إن لم تكن مئات الموارد التي نصوا فيها على اشتباه المؤلف أو الرواة أو النساخ, ومن شاء التأكد من هذا فليراجع مقدّمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني ليقف على مثل هذه الموارد.

علما أنّ الدكتور الغامدي قد انتقد في مقال سابق له بعنوان (مكانة الصحيحين مع النقد العلمي) الغلو في الصحيحين واعتبار كل حرف منهما صحيح غير قابل للنقد, قال: وفي هذا مبالغة والحق أن علماء الأمة اتفقوا على تلقي الصحيحين بالقبول في الجملة لا التفصيل هذا ما نقله الحفاظ الكبار وتداولوه، فجاء بعدهم فبالغ في مقالتهم، وأطلق القول بأن هذا الإجماع شاملٌ لكل حرفٍ أخرجه البخاري ومسلم بلا استثناء،

وضللوا من خالفهم في ذلك، وهو كلام مردود، لأن في الصحيحين أحاديث ضعفها محدثون متقدمون كثر، منهم : أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبو داود السجستاني والبخاري نفسه (ضعف حديثاً عند مسلم) وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان وأبو عيسى الترمذي والعقيلي والنسائي وأبو علي النيسابوري وأبو بكر الإسماعيلي وأبو نعيم الأصبهاني وأبو الحسن الدارقطني وابن مندة والبيهقي والعطار والغساني الجياني وأبو الفضل الهروي وابن الجوزي وابن حزم وابن عبد البر وابن تيمية وابن القيم والألباني وآخرون، وهذا يقطع بأن ذلك الإجماع المحكي محمول على تلقيهما بالقبول في الجملة وليس على التفصيل، وهذا لا يؤثر على مكانة البخاري ومسلم عند علماء الأمة ولا يقدح بإمامة البخاري ولا مسلم، لكن الله يأبى العصمة لكتابٍ إلا كتابه العزيز..) فلماذا نراه الآن يحاول اسقاط رواية لمجرّد دعوى مخالفتها لأخرى في الصحيح؟

ثالثا: إنّ مورد المعارضة بين النصين هو خصوص زيارة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وآله في بيته وليس عموم حادثة المبيت, فإذا استحكم التعارض رفعنا اليد عن خصوص هذه الجزئية لا أصل الخبر.

علما أنّ شعيب الأرنؤوط قد استخدم هذا الأسلوب كثيرا في تحقيقه على المسند حيث يصحّح الحديث ويستثني منه فقرة أو جملة, بل في بعض الموارد يستثني كلمة واحد لوجود ما ينافيها, فلماذا لم يستخدم هذا المنهج الآن وعمد إلى اسقاط الخبر كاملا؟

أضف إلى هذا أنّ رواية مقسم التي تقدّم الحديث فيها والروايات الأخرى التي نقلناها لم تنقل هذه الجزئية, فهي سالمة من المعارضة.

رابعا: إنّ رواية البخاري تفتح المجال لعدّة تساؤلات في السيرة نتمنى من الدكتور أن يجيبنا عليها بالأسانيد الصحيحة:

نعلم جميعا أنّ النبي صلى الله عليه وآله وعلي وأبا بكر هم آخر من هاجر من المدينة: والسؤال هنا: كيف يترك أبو بكر أهله في مكة مع علمه بعزم قريش على الفتك بالمسلمين وتعذيبهم؟

السؤال الثاني المتفرع عن الأول: كيف هاجرت أسماء بنت أبي بكر وأختها عائشة بدون رجل من محارمهما في هذا الطريق الطويل؟

لا شكّ أنّ أول مولود ولد في المدينة هو عبد الله بن الزبير وابن أسماء التي روت السير أنّها هاجرت وهي حبلى ونفست بقباء: والسؤال هنا كيف ينسجم هذا مع هجرة الزبير للحبشة ومنها إلى المدينة؟ وإذا ادعي رجوعه إلى مكة نريد إثباتا لهذا بسند صحيح بناء على شرط الشيخ الغامدي؟

ومن هنا نعلم أنّ دعوى مخالفة هذه الرواية لما في الصحيح لا يقدح في أصل الرواية ولا يسقطها عن الاعتبار

الحلقة المفقودة:

بعيدا عن الأحاديث والأخبار والسير يمكن اثبات وقوع هذه الحادثة من خلال التحليل التاريخي لأحداث الهجرة النبوية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة:

فقد ذكر القرآن الكريم تآمر قريش على قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) وهذا ما يؤكّد صحّة خبر اجتماعهم في دار الندوة وخروجهم باتفاق على قتل المصطفى صلى الله عليه وآله.

وأشار القرآن إلى خروج النبي صلى الله عليه وآله من بيته باستخدام المعجزة الإلهية كما في سورة يس (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) بحيث لم يلاحظ كفار قريش خروجه من بيته.

تبقى الحلقة المفقودة هنا: ما هو الشيء الذي عطّل كفار قريش بحيث استطاع أن يخرج النبي صلى الله عليه وآله إلى بيت أبي بكر ومنها إلى بئر ميمون فغار ثور دون أن يلاحظوا ذلك, رغم أنّ هناك حالة استنفار في مكة ضده صلوات الله عليه وآله والكل يطلبه؟

إذا لم يكن هناك شيء ركزوا انتباههم عليه بحيث استطاع النبي صلى الله عليه وآله التنقل بحرية دون أن يلاحظوا ذلك فلن نستطيع الجواب على هذا السؤال, ولن تكون قصة خروجه من مكة منطقية, إلا أن يقال أنّ قريش لم تتعرّض له أساسا وهذا لا ممّا لا يقول به عاقل.

ومن هنا فإنّ قصة مبيت أمير المؤمنين عليه السلام في فراش النبي صلى الله عليه وآله ضرورة من ضرورات السيرة, ولا يكتمل مشهد الهجرة النبوية إلّا بإثبات هذه الحادثة.

كتب السيرة:

قد ذكرت هذه الحادثة في كلّ كتب السيرة بلا استثناء, وساقها مساق المسلّمات أعلام السير والمغازي لا ينكرها أو يغمز فيها أحد منهم, بل ذكرها حتى من طبّق على أحاديث السير طريقة المحدّثين:

شيخ الاسلام ابن تيمية الحراني: لم ينكر الحادثة في ردّه على العلامة الحلي بل اكتفى بنقد بعض ألفاظها وطرقها وأقرّ أصل قضية المبيت (منهاج السنة 7/66)

الحافظ ابن كثير الدمشقي في كتابه السيرة النبوية: نقل رواية مقسم عن ابن عباس وعقّب عليها بقوله: وهذا إسناد حسن، وهو من أجود ما روى في قصة نسج العنكبوت على فم الغار، وذلك من حماية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (السيرة النبوية 2/239)

الإمام محمد بن عبد الوهاب النجدي في كتابه مختصر سيرة الرسول: وأمر عليّاً أن يبيت تلك اللّيلة على فراشه, واجتمع أولئك النّفر يتطعلون من صِير الباب، ويرصدونه يريدون بيَاته، ويأتمرون أيّهم يكون أشقاها؟ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأخذ حَفْنة من البطحاء فذرها على رؤوسهم... (مختصر سيرة الرسول 126)
الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه السيرة النبوية الصحيحة: نقل رواية المبيت من عدّة طرق وصرّح بتحسين رواية أبي بلج التي ناقشناها سابقا (السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدّثين على في نقد روايات السيرة 1/210)

كتاب صحيح الأثر وجميل العبر الذي ألفه جملة من الدكاترة في التاريخ الإسلامي ذكروا فيه الحادثة بقولهم: وأمر عليًّا أن يبيت في مضجعه تلك الليلة، واجتمع أولئك النفر من قريش يتطلعون من صير الباب، ويرصدونه، ويريدون بياته، ويأتمرون أيّهم يكون أشقاها، فخرج رسول الله عليهم، فأخذ حفنة من البطحاء، فجعل يذره على رؤوسهم، وهم لا يرونه... (صحيح الأثر 156)

الشيخ صالح بن طه عبد الواحد في كتابه سبل السلام من صحيح سيرة خير الأنام, نقل فيه الحادثة بقوله: وفي الليل خرج صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً أن ينام في فراشه تلك الليلة... (سبل السلام 222)

الأستاذ محمد بن حمد الصوياني في كتابه الصحيح من أحاديث السيرة: نقل رواية تاريخ الطبري المتقدّمة ثم علّق على سندها بقوله: حديثٌ حسنٌ عدا ذكر إبليس، رواه الطبري من طريق ابن إسحاق في التاريخ (1 - 566)، هذا السند: حديثٌ حسنٌ بطرقه، فقد سمعه من الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا الطريق لا يفرح به لأن فيه الكلبي وهو تالف، أما الطريق الثانية: الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس، والحسن هذا متروك، أما الطريق الثالثة فرجالها ثقات: حدثني عبد الله بن أبي نجيح،

 عن مجاهد بن جبير عن ابن عباس، ومجاهد إمام تابعي ثقة معروف وعبد الله بن أبي نجيح ثقة، لكنه ربما دلس أي أنه قليل التدليس، وللحديث شواهد تقويه لا شك، فقد رواه عبد الرزاق بسند صحيح عن معمر عن قتادة (5 - 389) مرسلًا وهذا شاهد يكفي، كذلك له شاهد آخر من طريق الواقدي: عدة أسانيد عن علي وعائشة وسراقة. والواقدي متروك، وانظر إلى حديث رقم (9). (الصحيح من أحاديث السيرة 139)
وعليه فإن طعن بعض المتأخرين في قصة المبيت هو نتيجة عدم استقصاء طرق الحادثة والاكتفاء فقط بما ورد في كتب الحديث وإلّا فقضية المبيت يوم الهجرة قد تعرّضت لها كتب السير والتاريخ والتفسير وغيرها...

وللحديث تتمّة... 



» مواضيع ذات صلة



التعليقات «1»

العبد الفقير - جزيره شارع الرياض [السبت 28 نوفمبر 2015 - 6:57 ص]
ملاحظه لم يذكرها الشيخ وهيه/قال خادم الرسول الاعظم امير المؤمنين علي ابن ابي طالب يارسول الله اتسلم قال الرسول نعم ياعلي عندها قال خادم الرسول الاعظم في المهمات الصعبه روحي لروحك الفداء ياسيدي ومولاي()

مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات