» إنجاز 85% من مشروع «قُربَى» لشراء وتحسين مساكن الأيتام  » مهندسات سعوديات : 1600 مؤسسة توظف الأجانب وتتجاهلنا  » ثقافة الصراخ  » وردني سؤال هام ما الفرق بين الذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي؟  » هل تشكل العلاقات الافتراضية خطراً على الأبناء؟  » سعوديون يرفضون عروضا وظيفية لا تقدم إجازة  » 4 ضوابط لرفع حظر السفر عن الممارسين الصحيين  » الشرقية: إغلاق مركز حضانة يدرس منهجا غير مرخص  » «التعليم» تكشف حقيقة خطاب صرف مكافأة 50 ألف ريال لخريجي الجامعات  » قلة المراجعين تدمج مراكز رعاية صحية أولية  
 

  

الاستاذ زكي ابو السعود - 13/10/2015م - 1:30 م | مرات القراءة: 17642


يرتبط ظهور الفاشية بانعدام الاستقرار السياسي وسوء الأحوال الاقتصادية وسيادة حالات من الفوضى والقلق الاجتماعي ،

ففي إيطاليا مثلاً - وهي من اول البلدان التي ظهرت فيها الفاشية بوضوح كتيار سياسي وأيدلوجي عندما أسس موسوليني الحزب الفاشي في سنة - كانت الأوضاع الاقتصادية المتردية وصعوبة الحياة المعاشية هي الطاغية على مجمل حياة الطليان أثناء مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ،

فرغم أن إيطاليا كانت ضمن الحلفاء «الدول المنتصرة في الحرب »، إلا أنها خرجت منها بمكاسب زهيدة مقارنة بما حصلت عليه بريطانيا وفرنسا، ولم تحظ الطبقة الرأسمالية الإيطالية بتلك الغنائم التي كانت تراهن في الحصول عليها لتحقيق نمو اقتصادي يزيل عنها تبعات الركود الذي كان مخيماً على مقابض الاقتصاد الإيطالي ، فقد كانت تطمع حينما منحت تأييدها لدخول الحرب - بعد أن كانت محايدة في السنوات الأولى لاندلاع الحرب الكونية الأولى - في الحصول علي مستعمرات جديدة تمدها بالخامات الرخيصة وتفتح لها أسواقاً مربحة لمنتجاتها .

وبالمقابل كانت الحركة العمالية الإيطالية من أكثر الحركات تنظيما نقابياً وحزبياً في أوروبا ومع تفاقم الظروف المعاشية للطبقات الفقيرة ، لجأ العمال إلى الإضرابات محاولة لتحسين أجورهم الزهيدة ، والحد من التسريحات التعسفية التي كانت تتوالى من شركة إلى أخرى . ولكنهم لم يكتفوا بالإضراب عن العمل عن بعد كما كانوا يفعلون سابقاً ، وأنما لجأوا إلى الاعتصامات داخل المنشآت الاقتصادية (المناجم والمصانع) وتشغيلها دون أصحابها ، وقد كان التأثر بالعمال الروس الذين أقاموا مجالسهم (سوفييتياتهم )الثورية بعد ثورة حاضراً بصورة واضحة لدى العديد من النشطاء النقابيين .

أمام هذا الوضع الذي كان يندر بمزيد من التفكك والانهيار في سيطرة الطبقات الحاكمة الإيطالية على مقابض البلاد ، ظهرت الفاشية كسلاح أيدلوجي وسياسي وتنظيمي استخدمته الطبقات الحاكمة الإيطالية للتصدي للهجوم العمالي ولمنع القوى الاشتراكية من تولي قيادة البلاد .

فقد قاد خوف المجموعات الحاكمة من القوى الاشتراكية والشيوعية إلى اتخاذ مواقف مائعة تجاه النشاط المتزايد للقوى الفاشية ، وفي الوقت نفسه كان الجدال قوياً بين قوى اليسار حول مسألة الاستيلاء على السلطة ، حيث لم تكن جميع القوى اليسارية موحدة وحاسمة أمرها في الطريقة التي يمكنها بها بلوغ ذلك ، وخاصة من قبل الحزب الاشتراكي الذي كان يتمتع بنفوذ شعبي (كان له ثلث مقاعد المجلس النيابي ويقود أكثر من ثلاثة آلاف بلدية) في ذلك الوقت .

لقد قاد هذا التلكؤ وعدم أخد زمام المبادرة في خلق جبهة موحدة معادية للفاشية لأن تعرض اليساريون لهجمات فرق الحزب الفاشي (السكوادريستى) الذي بنى قواعده من الفئات المهمشة ومن الجنود المسرحين والعاطلين عن العمل ومن المجرمين (فلول المافيا) والفئات المتوسطة المهددة بخسارة مواقعها الاجتماعية والاقتصادية وانضمامها لجيش العاطلين، وبذلك تمكن موسوليني أمام تفكك القوى المعادية للفاشية وتخاذل الحكومة الليبرالية برئاسة جوفناني جيوليتي من الاستيلاء على السلطة وفرض دكتاتوريته الفاشية على الشعب الإيطالي بأكمله سنة .

لقد بنت الفاشية ركائزها السياسية على حاجة الناس إلى دولة قوية موحدة ، تنهي مشاكل الأمة وتعيد لها مجدها وعظمتها كما كانت عليه خلال الإمبراطورية الرومانية . فأصل كلمة فاشي من الكلمة اللاتينية "فاشسم" وتعني العصبة أو الاتحاد للقومية الرومانية ، التي اتخذت من حزمة العصي وفي وسطها ُ بلطة رمزاً للوحدة القائمة على العسكرة والعنف . وكما كان الولاء للقيصر الروماني رمزاً للوطنية جاءت الفاشية لتؤكد المبدأ نفسه من حيث الولاء للقائد الواحد(زعيم الأمة ) .

ولا تتردد الفاشية في إظهار نفسها كحركة فكرية قائمة على كره وإقصاء الآخر (القومي ، الديني ، العرقي) رافضة للنظام السياسي والاجتماعي الذي أنجبته الثورة البرجوازية الأوروبية، فهي ضد الليبرالية السياسية والاجتماعية والحقوق الفردية والحياة البرلمانية ، ولكنها من الناحية الاقتصادية لا تقدم برنامجاً بديلاً لما هو قائم يغير ويزيح عن الطبقات الفقيرة ظروف البؤس والاستغلال ،

وإنما برنامجاً ديماغوجياً يبقى الأمور على ما هي عليه دون تغيير في العلاقات القائمة بين المكونات الطبقية للمجتمع كافة ، وبجعل الحزب الفاشي من نفسه بديلاً للدولة في حماية مصالح الأغنياء وأصحاب المال والأعمال من خلال تأسيس جيش مقاتل داخل المجتمع المدني للامساك به عبر العنف باعتباره وسيلة طبيعية من وسائل العمل السياسي ، وذلك لضمان احتكار العمل السياسي وعدم السماح لأي نوع من المعارضة بالوجود ، وإجبار الجميع على الخضوع الكامل للسلطة الفاشية فهي لا ترى في" إرادة الشعب الوسيلة للحكم ، وأنما الوسيلة هي القوة، وهي التي تفرض القانون " . 

ولكي يكون لهذا الجيش المقاتل (كما كانت الفرق الفاشية الإيطالية وغير الإيطالية ) تأثيره وهيبته على الناس فهو يستخدم بزةً موحدةً (سوداء ، بنية ، خضراء) وعلماً يحمل شعارهم، و يمارس طقوساً استعراضية أمام الناس تظهر عنفه وتسلطه ، لتخويف وإرهاب الناس وإجبارهم على اتباع سلوك بعينه ، يبان فيه خنوعهم للقائد وتسليمهم بما يأمرهم به.

رغم أن الفاشية الإيطالية ترى في الدولة غاية لا وسيلة والنازية الألمانية تراها وسيلة لا غاية ، إلا أن هذا الاختلاف لم يترك أثراً على طريقة تنظيمهما وأساليب عملهما الديماغوجية. ولكن من المهم التأكيد على النازية الألمانية تخطت الفاشية الإيطالية في معاداتها المفرطة للسامية وبشاعة تنكيلها بخصومها ومناهضيها سوى في ألمانيا نفسها، أو في جميع الأراضي التي غزتها جيوشها . وقد أعطت لنفسها الحق في القيام بما تريد من قتل وتدمير ونهب لخيرات البلدان التي احتلتها تحت مبرر علو وسؤدد الجنس الآري على كل الأجناس البشرية الأخرى ، التي وضعت لها تصنيفاتها ومراتبها لدرجة نكرانها لحق بعض الأجناس في الحياة . و لتهيمن على العالم بأسره انطلقت جحافل جيوشها شرقاً وغرباً في أوروبا مشعلة بذلك الحرب الكونية الثانية ، وخالقة دماراً ورعباً لم تعرفهم الشعوب الأوروبية من قبل .

لقد كان بالإمكان التصدي لهتلر وحزبه النازي و منعه من تنفيذ مخططاته المدمرة منذ انطلاقاتهم الأولى ، ولكن مثلما فشلت القوى المعادية للفاشية الإيطالية في صد الهجوم الفاشي في بداياته ، فشلت القوى السياسية الليبرالية والديمقراطية في استشعار الخطر المحدق بألمانيا من تنامي قوة الحزب النازي ، فبينما كانت قيادة الحزب الديمقراطي الاشتراكي ترى أن بالإمكان احتواء الحزب النازي وإبقاءه ضمن اللعبة البرلمانية ، و إيجاد صيغة ما من التعايش مع بعض الأطراف "الليبرالية أو المعتدلة " في الحزب النازي ، انفرد الشيوعيون عن سائر القوى السياسية آنذاك بمواقفهم الحاسمة في تقييم الخطر القادم من تنامي النازية على الحياة الديمقراطية وقد لعبت عدم الثقة بين بين الاشتراكيين والشيوعيين ،

وعدم استشعار الخطر المحدق من النازيين على النظام البرلماني الليبرالي ، والخوف من توجه البلاد نحو اليسار في عدم تشكل أي نوع من التحالف بين القوى المعادية للنازية بمختلف توجهاتها ، وهو ما سهل الطريق أمام الحزب النازي في شن حملة دعائية نشيطة تضخم من خطر سقوط ألمانيا في يد الشيوعيين ، المتزايدين قوة وتأثيراً في أوساط العمال وبقية شغيلة المدن ، والمكروهين من القوى السياسية الحاكمة آنذاك ، بما فيهم رئيس الجمهورية الذي لم يتخذ أي إجراء دستوري لمواجهة المكائد النازية. فقد ساعدته هذه الدعاية على كسب دعماً كبيراً من طبقة أصحاب الأعمال ( صناعيين وماليين ) ممن كانوا يأملون بسلطة سياسية قوية تقمع العمال وتوقف إضراباتهم و تحد من مطالبهم المستمرة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل ،كما ساعدته دعايتهم الديماغوجية على كسب شرائح الطبقة الوسطى و تأييد سكان القرى والبلدات الصغيرة حيث البيئة المحافظة والمنغلقة ، مستعيناً بالدعوة إلى إحياء المسيحية الإيجابية والتصدي للرذيلة والفجور المنتشرة في المدن الكبيرة حيث الحضور القوى للأحزاب اليسارية والليبرالية .

من كل ذلك ـ وعبر الاستعانة بالعنف المنظم والإرهاب والمؤامرات (إحراق مبنى الريخساغ «البرلمان الألماني») تمكن النازيون من فرض سيطرتهم السياسية وإقامة نظامهم الديكتاتوري بزعامة هتلر حاظرين أي شكل من أشكال المعارضة مهما كانت طبيعتها ، والزج بالقوى المناهضة لهم كافة في معسكرات اعتقال فائقة التوحش احتوى بعضها على محارق بشرية ، لا زالت ذكراها تثير في النفوس غضباً حانقاً على ما ارتكب من جرائم في تلك المعسكرات.

كما فرضوا أيدلوجيتهم النازية على شتى مظاهر الحياة الثقافية والفنية ، ملغين كل ما كانت تزخر به ألمانيا من توجهات وتيارات فكرية وأدبية وفنية متعددة ، فخيمت الكآبة والرعب والقلق على ألمانيا والبلدان التي احتلتها من مصير قاتم. هذا الوضع المأساوي لم يزله إلا قيام جبهة عالمية واحدة معادية للتحالف الفاشي (المحور) .

بخلاف ألمانيا وإيطاليا المتطورتين صناعياً وطغيان علاقات رأسمالية قوية على مجمل الأنشطة الاقتصادية ، كانت هناك بعض البلدان الأوروبية غير المتقدمة صناعياً التي ظهرت فيها أحزاب فاشية وتمكنت من الوصول إلى سدة الحكم كرومانيا والمجر و أسبانيا .

ولكننا سنحصر الحديث عن التجربة الأسبانية لما لها من دلالات على موضوعنا . فأسبانيا و حتى العقد الثاني من القرن العشرين كانت تعد من أقل بلدان الجزء الغربي من القارة الأوروبية تطوراً في الصناعة وكانت الزراعة -وهي القطاع الأكبر في التشكيلة الاقتصادية الأسبانية - تتحكم فيها العلاقات شبه الإقطاعية حيث كان النبلاء والكنيسة الكاثوليكية يملكون الأراضي الشاسعة ويتمتعون فيها بجميع الامتيازات الإقطاعية .

وقد أثر ذلك على بعض مظاهر الفاشية الأسبانية التي تأسست في منتصف العقد الثاني من القرن المنصرم على يد خوسيه انطونيو دي رفيرا الذي تولي الحكم في سنة ، فعطل الدستور والحياة النيابية وفرض حكماً دكتاتورياً استمر حتى بمباركة من الملك ألفونسو الذي كان يسعى لتدعيم عرشه المهدد بالسقوط جراء الأزمات المتتالية التي كانت تعصف بالاقتصاد الأسباني بسبب الركود الذي حل به بعد الحرب العالمية الأولى واستمرار خسارة أسبانيا لمستعمراتها ،

وتنامي مطالبة الفلاحين بإصلاح زراعي ينهي هيمنة ملاك الأراضي والكنيسة التي كانت تتحكم في جميع شرايين الاقتصاد وتسيطر سيطرة تامة على التعليم وعلى الكثير من مظاهر الحياة الاجتماعية . وبالرغم من أن الحركة العمالية الأسبانية لم تكن بتلك القوة والتنظيم كما كانت في إيطاليا وألمانيا ، إلا تصديها بالتحالف مع جموع المثقفين للطبقات الرجعية كان ملحوظاً ومتنامياً في المدن الرئيسية ومتزامناً مع انتشار أفكار اليسار بينهم ، ومترافقاً مع ازدياد دعوات الاستقلال في إقليمي الباسك وكاتالونيا، وهو ما جعل من الطبقات الرجعية تساند تنظيم حزب الفلانج (الكتائب) الفاشي ، الذي كان في واقع الأمر حزبهم الحقيقي والمدافع عن مصالحهم وبقاء نظامهم السياسي.لقد استطاعت القوى الديمقراطية والثورية -رغم الشروخ السياسية والفكرية بينها- تنظيم صفوفها والتوحد في تحالف جبهوي استطاع إسقاط النظام الديكتاتوري وإقامة نظام جمهوري في سنة ، إلا أن تحالف ملاك الأراضي الإقطاعيين وأصحاب المصانع والمناجم مع كبار العسكريين وعلى رأسهم الجنرال فرانكو أو من سمُوّا « بالقوميين» ـ وبدعم مباشر وصريح من الكنيسة ،

رؤوا أن الجبهة الشعبية إذا ما استمرت في الحكم ستنهي هيمنتهم الاقتصادية وتؤسس وضعاً جديداً في البلاد ، مما دفعهم للقيام بانقلاب عسكري بدعم مباشر من موسوليني وهتلر، فتمكنوا بعد حرب أهلية استمرت ثلاثة أعوام من إسقاط الحكم الجمهوري وفرض نظام ديكتاتوري فاشي مارس اشد أنواع القمع الدموي ضد الشعب الأسباني حيث أعدم ونكل بمئات الآلاف منهم في حلبات مصارعة الثيران التي ُحولت إلى ساحات إعدام جماعية ومعسكرات اعتقال ارتكبت فيها أبشع الجرائم بحق خيرة أبناء الشعب الأسباني . كما انهم ولإشاعة الرعب في قلوب المقاومين ولإضعاف معنويات المناطق الصامدة في وجه الجحافل الفاشية كان كبار العسكريين يتفاخرون بالإعلان عن عمليات الاغتصاب الجماعي ، ويفرضون على النساء المغُتصبات السير في الشوارع وهن يحملن إشارات معينة ترمز لما تعرضن لها .

لقد كان بالإمكان تجنب كل هذه المجازر ومنع الفاشيين من ارتكابها لو اتخذت الحكومة البريطانية والفرنسية موقفاً مسانداً للقوى الديمقراطية «الجمهوريين» أو على الأقل في منع الألمان والطليان من التدخل العسكري المباشر في الحرب الأهلية الأسبانية.

لقد تميزت الفاشية الأسبانية بشدة ارتباطها بالكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي تمكنت بعد إسقاط حكم الجبهة الشعبية من استعادة نظامها الهرمي وفرض سيطرتها الظلامية على الحياة الثقافية والتعليمية والاجتماعية ، وجعلت من مواقع العمل مراكز للتجسس على الشعب الأسباني وإخبار الأجهزة الأمنية عن كل من يحمل أفكاراً يسارية. وتحولت أسبانيا إلى سجن كبير يحكمه الجنرال فرانكو الذي جعل من نفسه الحاكم الأوحد ، فقد كان "رئيساً للحزب الواحد، وقائداً أعلى للجيش ، وحامي الكنيسة " واعتبار سلطته منبثقة من سلطة الله.

ومن الملاحظ أن أغلبية الحركات الفاشية في أوروبا كانوا على علاقة وثيقة وودية أو غير تخاصمية مع الكنيسة، سوى في البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية ، أو الأرثودكسية كما كانت علاقة الحزب الفاشي في رومانيا ( الحرس الحديدي) .ولم يعرف عن الكنيسة الرسمية في جميع البلدان التي استولت فيها القوى الفاشية على السلطة أن أتخذت الكنائس "بشكل رسمي وعلني" موقفاً مناهضاً للممارسات الفاشية الوحشية في فرض سيطرتها وقمعها للقوى الديمقراطية واضطهادها للفئات القومية أو الدينية الأخرى.

لقد سيطر الرعب وانتشر البؤس في معظم بقاع الأرض وخيم على الشعوب ليل كالح كان يبدو بلا نهاية ، لولا أن التوق للحرية وإنهاء ظلم الفاشست جعل شعوب الأرض تقاوم ذلك وترفض أن يبقى الليل الفاشي سرمدياً لا ينتهي ، فانبثقت جبهة عالمية واحدة معادية لهذا الحلف الفاشي (المحور) جعلت من القضاء عليه أساس وحدتها وبوصلتها التي تهتدي بها. لقد استطاعت القوى المعادية للفاشية -رغم تباينها السياسي والفكري والعرقي - توحيد صفوفها في تحالف عالمي واسع ، ضم في عضويته الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة والعديد من دول العالم في مختلف القارات وحكومات المنفى و قوى المقاومة السلمية والمسلحة في الدول المحتلة ، لمواجهة عدوهم المشترك عسكرياً وفكرياً ..

ولولا هذا التحالف المؤقت بين خصوم الأمس والغد لما هزم الحلف الفاشي (دول المحور) ، ولكانت البشرية تعيش واقعاً، لا أحد يستطيع تخيل مدى مأساويته وبؤسه . لقد عانت البشرية وبالأخص شعوب أوروبا وشرق أسيا من ويلات تلك الحرب ، التي كان من الممكن التقليل من مآسيها وآثارها المؤلمة بل حتى تجنبها لو أن هذا التحالف تأسس مبكراً تحت شعار «لا للفاشية» و « الفاشية .. لن تمر من هنا».

مما لا شك فيه أن الهزيمة التي لحقت بالفاشية " كنظم سياسية توليتارية " في موطنها الأصلي( أوروبا) وتحميلها المسؤولية كاملة عن إشعالها حرباً كونية أودت بحياة أكثر من خمسين مليون إنسان ودمرت آلاف المدن والقرى ، وهدمت اقتصاد عشرات الدول ، ونشرت الويلات في القارات القديمة ، جعل شعوب العالم وبالأخص الشعوب -الأوروبية أكثر من عانى وقاسى وواجه جرائم النازيين - تأخذ موقفاً حازماً ضد محاولات الفاشيين للعودة إلى خشبة المسرح السياسي ،

وسد المنافذ التي استطاعوا من خلالها الاستيلاء على السلطة ، وهو ما يجعل من احتمالية وقوع إحدى البلدان الأوروبية الكبيرة تحت الهيمنة الفاشية فرضية بعيدة الاحتمال -على الأقل في مثل هذه الأيام -. كما أن انبثاق منظمة الأمم المتحدة بميثاقها ذي الروح المعادية للحرب ، والداعي لاحترام حقوق الإنسان ، إضافة إلى التغير الكبير في موازين القوى العسكرية في العالم ، قد جعل من يفكر بتكرار المغامرة العسكرية الألمانية أو اليابانية يعيد حساباته آلاف المرات ، دون أن يتنافى مع ما نلاحظه من تنامي للمنظمات والأحزاب ذات النزعات الفاشية والعنصرية في عدد من البلدان الأوروبية وإعادة تأسيس الأحزاب الفاشية القديمة بتسميات جديدة وشعارات مختلفة ـ في ظاهرها وليس في جوهرها ـ عن شعاراتها السابقة.

كل ذلك يجب ألا يجعلنا ننسى أو نغفل أن دولاً ديموقراطية كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الحلف الأطلسي ، إبان الحرب الباردة ، وضمن سياستها المعادية للشيوعية وجدت أن من صالحها القبول بالتعايش مع نظام فرانكو الديكتاتوري في أسبانيا وجعله شريكا معها ، غافرة له اصله الفاشي ، واستيلاءه على السلطة دون حق بدعم مباشر من هتلر و موسوليني اللذين قدما له مختلف المعونات العسكرية ، التي لولاها لما تمكن من إسقاط حكومة الجبهة الشعبية المنتخبة ديمقراطياً.

كل هذا لا يلغي من الناحية النظرية إمكانية نشوء ظروف مقاربة لتلك التي برزت ونشطت فيها الحركات الفاشية خلال العقدين الثاني والثالث من القرن الماضي ، فتعرض بلد ما (بما فيها البلدان الأوروبية الكبيرة ) لمشكلات اقتصادية عميقة تعصف بمؤسساته ومنشآته المالية والصناعية وتتسبب في تضخم أعداد العاطلين والمشردين .و ليس بالأمر المستغرب أو المستحيل أن مواقف الدول الغربية الكبرى قد تتغير حينما يكون هناك مؤشر على تعرض مصالحها واستثماراتها المالية لأخطار جارفة .

ومن جهة ثانية فأن الفاشية كأيدلوجية لم تندثر أو تنعدم تماماً ، فلا زال هناك من يبشر بمضامينها (خاصة في كره الآخر قومياً وعرقياً ودينياً ) ، كما نراها -ولو بشكل مُّقنع -في بعض الأعمال الأدبية والفنية ، و في أيدلوجيات بعض الأحزاب والمنظمات اليمينية ذات التوجهات الشوفينية و العنصرية و المعادية لقيم العدالة والحق الاجتماعي وللقوى المناصرة لها.

إن الفاشية كنظام سياسي دكتاتوري - شمولي يعد ملاذاً تلجأ إليه الطبقات الحاكمة في البلدان الرأسمالية ذات النظم البرلمانية الليبرالية حينما يبلغ الصراع الاجتماعي والسياسي بين مكونات المجتمع درجة فائقة من الحدة والتعقيد جراء استفحال الأزمات الاقتصادية وزيادة تبعاتها و أضرارها على الغالبية العظمى من السكان ، ويستنفد قادة النظام كل ما يملكون من أدوات اقتصادية وقانونية وتشريعات اجتماعية لمعالجة هذا الوضع المعقد ،الذي يدفع لتنامي فقدان الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة وفي قدرتها على السيطرة على زمام أمور البلاد ، وهو ما يترك البلاد عرضة لكل الاحتمالات ، بما في ذلك السقوط الكامل للنظام ومجيء قوى جديدة تحكم البلاد ببرنامج مختلف وتقودها باتجاه آخر . ولمنع ذلك يجري استبدال النظام السياسي الليبرالي بنظام ديكتاتوري أو استبدادي يتعامل بآلية مختلفة لمنع هذا الانهيار وتجنيب الطبقات الحاكمة فقدانها لثرواتها وهيمنتها الاقتصادية.

ولأن الفاشية -كأيدلوجية شوفينية وعنصرية وإقصائية قائمة على كره الآخر و بما لها من تاريخ مخزٍ « لم تعد بصيغها السافرة مقبولة ولا سهلة الانتشار بين الناس» لذلك يجري البحث بشكل دؤوب في مراكز ومعاهد الأبحاث والدراسات المرتبطة بصناعات وتجارة السلاح والأنظمة الدفاعية والأمنية عن السبل الأجدى في ترويج القبول أو استساغة فكرة قيام نظم توليتارية كنظم حكومية بديلة، حينما يكون النظام البرلماني المنتخب عاجزاً عن توفير الحماية الضرورية الكافية للكيان الاقتصادي القائم ولا يستطيع بموجب المنظومة القانونية أن يلجأ للعنف والقمع المكشوف لمواجهة القوى الداعية إلى تغيير النظام.

وبحكم الموقع الاجتماعي المتأرجح والخاصية النفسية القلقة لشرائح واسعة من الطبقة الوسطى ، يتم توجيه المراكز والمعاهد البحثية وعبر حملات إعلامية ممنهجة بالتركيز على هذه الشرائح لتسويغ فكرة القبول بالتحول لهذا النوع من الحكم ، عن طريق إقناعهم بأن أمنهم وحماية مصالحهم من التهديدات القديمة والجديدة (كتهديدات المتطرفين القدامى والأصوليين الجدد) يقتضي التنازل عن بعضٍ من حقوقهم الديمقراطية ، والقبول بقوانين رقابية جديدة تتعارض في جوهرها مع الروح الليبرالية للدستور ، والسماح بتقوية وتوسيع الأجهزة البوليسية والاستخباراتية وزيادة صلاحيتها على حساب قوانين المرافعات والإجراءات القانونية ويجنبها المسألة الدستورية والبرلمانية تحت ذريعة السرية لضمان الأمن القومي .

لقد اعتمد فاشيو إيطاليا وأسبانيا ونازيو ألمانيا على بعث الأمجاد القومية (بروح شوفينية) ووحدة الأمة والقضاء على أعداءها ومن تسبب في مشاكل البلاد ، كمبررات لسياسة الكراهية والأقصاء تجاه الشعوب والقوميات الأخرى ، ولإيهام شعوبهم بأن النظام الفاشي التوليتاري إنما جاء لمصلحتهم القومية التي يجب أن تسمو فوق مصالح الفرد ، وعلى الشعب بأكمله أن يتحد ويتناسى خلافاته وفروقاته الطبقية ويتفانى في تضحياته لمساندة وحماية هذا النظام و السير خلف القائد(زعيم الأمة ) لتدمير الأعداء (أعداء الأمة المجيدة ) دون رحمة أو شفقة . 

وإذا كانت ركيزة التعصب القومي (الشوفينية) قد وظُفت للقيام بهذا الدور من قبلّ ، إلا أنها لم تكن دائماً هي الركيزة الفكرية والوجدانية الوحيدة التي استخدمت لكسب تأييد الناس للنظام التوليتاري ودفعهم للقبول به ، فقد وظفت القوى ذات المصلحة في قيام النظم التوليتارية (بما في ذلك الفاشية) الفروقات العرقية أو العقدية الدينية كبدائل عن الاختلافات القومية ، في اختراق مناعة الناس من شيوع هذه الأفكار . 

إن نجاح هذا الاختراق يعتمد على عدة عوامل يأتي في مقدمتها :

) خصائص الحالة الاجتماعية والنفسية المجتمعية السائدة التي تسمح بتمرير هذا الفكر وتسويقه بين الناس بأي صيغة كانت . 

) صلابة ورسوخ النظام الحقوقي الوطني . 

) وعي الناس وقدرتهم على تنظيم أنفسهم لمواجهة أي نظام يتعدى على حقوقهم وحرياتهم الديمقراطية . 

إن الفاشية كحركة أو كتيار سياسيي رغم انبثاقها لأول مرة في دول أوروبية متقدمة اقتصادياً ، إلا أنها لم تكن قصراً هذه البلدان ، فقد نشأت في بلدان أقل تطوراً (من الناحية الاقتصادية) كما حدث في رومانيا والمجر ، وكما في بعض دول أمريكا اللاتينية عندما تكونت في ثلاثينيات القرن الماضي منظمات الكتائب (الفالانج) الفاشية التي تعتبر اقتباساً أو استنساخاً للفاشية الأسبانية تنادي بالوحدة مع الوطن الأم (أسبانيا) ، ولكنها لأسباب مرتبطة بالخصائص المحلية لهذه البلدان ، لم تنجح في الوصول إلى السلطة كما حصل في أسبانيا ،

أو كما حصل في البلدان التي تمكن فيها العسكر إباَّن سنيِّ الحرب الباردة وعبر الانقلابات العسكرية من إقامة دكتاتوريات عسكرية مستبدة انتهجت- بدعم من المخابرات الأمريكية - الأساليب الفاشية نفسها في تثبيت حكمهم وفي إدارتهم السياسية والأمنية لبلدانهم ، لمنع تمدد قوى اليسار ووصولها إلى السلطة ، لما كان يشكل آنذاك تهديداً لمصالح ونفوذ كتلة ملاك الأراضي والمناجم والفئات الكومبرادورية والطفيلية (بما في ذلك كبار العسكريين ) ممن استفادوا من التنمية الرأسمالية الرثة في تكديس ثروات طائلة على حساب فقراء الريف والمدينة المهمشين والمحرومين من ابسط الحقوق الاقتصادية والمدنية ،

والذين كانوا بطبيعة الحال يشكلون المخزون الطبقي للقوى اليسارية والثورية الساعية لتغيير هذه الأوضاع البائسة لصالح هؤلاء الفقراء. ولقد أطلق ـ مجازاً ـ على عدد من هذه الأنظمة الديكتاتورية بالنظم الفاشية و على قياداتها بالطُّغم الفاشية ، كما كانت تسمى الزمرة العسكرية الحاكمة في تشيلي أثناء حكم الجنرال بينوشيه الذي قاد انقلاباً عسكرياً دموياً سنة بدعم من المخابرات المركزية الأمريكية ضد حكومة الوحدة الاشتراكية برئاسة سلفادور الليندي، مستنداً على تأييد حزب الوطن والحرية ،

الذي تأسس سنة على يد مجموعة من الأعضاء السابقين في حزب الحركة الوطنية التشيلي ( الوريث الشرعي للحزب الوطني الاشتراكي الفاشي الذي تم حله بعد محاولته الانقلابية الفاشلة سنة ) . فقد أرعب وصول تحالف يساري إلى السلطة ـ عن طريق الاقتراع الديمقراطي وببرنامج يهدف إلى القيام بتحولات كبيرة في المجتمع التشيلي ـ ، قوى الرأسمالية الرثة والشركات الأمريكية والشركات متعددة الجنسية ، وكبار العسكريين ، الذين وجدوا في هذا البرنامج تهديداً قوياً لنفوذهم وسيطرتهم على مقابض البلاد وخيرات الشعب التشيلي، فتعاونوا جميعاً للإطاحة بهذه الحكومة المنتخبة ديمقراطياً ، تحت حجة حماية البلاد من هجمة شيوعية و التصدي لمحاولة السوفيات التمدد في القارة اللاتينية. 

لقد أفضى القبول بهذه الحجج الواهية إلى خسارة الشعب التشيلي للآلاف من خيرة أبناءه وبناته ومفكريه وفنانيه الذين سقطوا صرعى تحت طائلة التعذيب والإعدامات الجماعية ، إلا أن صمود وتضحيات القوى المناهضة للانقلاب وحملات التضامن الأممي مع الشعب التشيلي قد عرى هذه الحجج الواهية وكشف الحقيقة - التي تعاونت الطغمة العسكرية الحاكمة مع الاستخبارات الأمريكية والدوائر المحافظة في الكونغرس الأمريكي على طمسها- وأظهر أن ضحايا الانقلاب الفاشي لم تقتصر على الشيوعيين والاشتراكيين بل شمل كل من عارض الديكتاتورية العسكرية ، وأن جميع القوى السياسية الديمقراطية نالها من البطش ما نالته القوى اليسارية التي واجهت الانقلاب بشجاعة منذ الساعات الأولى لقيامه .

وفي شيلي أعاد التاريخ نفسه ، فمثل ما كان بالإمكان إنقاد الآلاف من الشعب الأسباني من بطش وعسف الديكتاتورية الفرانكوية ، كان بالإمكان تقديم العون المباشر للشعب التشيلي والتدخل بصورة حاسمة من قبل القوى المعادية للفاشية لمنع الطغمة العسكرية من الاستمرار في تنكيلها وبطشها بالشعب التشيلي ، وإعادة الحكم للقوى الشرعية في الحال بدلاً من الانتظار عاماً، لحينما استعاد الشعب التشيلي قواه واسقط حكم العسكر.

تحدد الأوضاع الاقتصادية والمالية والثقافية السائدة في أي بلد ، و مستوى وضوح التركيبة الاجتماعية والتنوع ألاثني أو القومي أو الديني للسكان والعلاقة بين بعضهم البعض وقدرة كل فئة أو مجموعة سكانية على خلق الصيغة أو الكيان المناسب لتنظيم نفسها فيه ، وكذلك الموقع الجيوسياسي للبلاد (خاصة في الوقت الراهن) شكل النظام السياسي فيه بما في ذلك نظام الحكم الذي يعد الركن الأساسي لأي نظام سياسي معاصر .

إلا أن هناك علاقة تأثير متبادلة بين نظام الحكم لأي دولة ، ديمقراطياً كان أم ديكتاتورياً ( بما في ذلك النظم الاستبدادية التولتيارية ذات النزعات أو الممارسات الفاشية ) وبين هذه الأوضاع ، وكذلك علاقة مشتركة في تأثيرهما على التكوينات السياسية غير الحكومية كالأحزاب والجمعيات غير المهنية وعلى توجهاتها الفكرية وأطروحاتها السياسية . ورغم أن هناك عوامل أخرى (محلية أو خارجية) تمارس تأثيرها في تأكيد الصيغة المحلية لهذه التكوينات وتمايزها عن بعضها البعض ،

إلا أننا ـ منذ القرن التاسع عشر ـ رأينا كيف تكونت روابط أممية جمعت في صفوفها تنظيمات سياسية محلية (الحركات الاشتراكية والشيوعية ). كما شهدت بعض الدول العربية والإسلامية في القرن العشرين انبثاق حركات قومية (حركة القوميين العرب و حزب البعث) وأممية دينية (الإخوان المسلمين وحزب التحرير وحالياً القاعدة وداعش ) . لقد كان العامل الأيدلوجي هو القاسم المشترك بين هذه التكوينات الحزبية وهو الذي جعل برامجها وشعاراتها متطابقة إلى حد كبير .

ولكن هذا التشابه أو الاقتباس لم يكن مقتصراً فقط على هذا النوع من التنظيمات ذات العقيدة السياسية الواحدة وإنما نراه أيضاً في تنظيمات أخرى جديدة كأحزاب الحفاظ على البيئة (الخضر) . ففي عالم اليوم حيث تهاوت حواجز الرقابة القديمة ، وأصبح انتقال واقتباس الأفكار والممارسات التنظيمية من بلد إلى آخر ومن تنظيم إلى آخر يتم دون صعوبة تذكر، أكانت أفكار الحداثة وحماية حقوق الإنسان والعدل الاجتماعي ، أو النقيض منها كأفكار الكراهية والبغضاء ، كالمبادئ والممارسات الفاشية ، التي تختص بمجموعة من الصفات والخصائص المشتركة التالية التي تميزها عن بقية التنظيمات والتكوينات السياسية القديمة والحديثة :-

انبثاقها في ظروف تطغي عليها الفوضى وعدم الاستقرار واحتدام الصراع السياسي (بكافة أشكاله) داخل المجتمع .

ارتكازهم على روح الكراهية والإقصاء للآخر المختلف عنهم(قومياً ، عرقياً ، دينياً أو مذهبياً). 

فرض أنفسهم كمنقذين للمجموعة السكانية أو العقيدة (التي ينتسبون إليها) وحدهم دون غيرهم وامتلاكهم الطريق الوحيد لخيرها ونجاحها.

التشبث بالماضي والعودة إلى النماذج السياسية والثقافية القديمة وعدم تقديم بديلٍ حديثٍ لما هو قائم.

تغييب الجذور الاجتماعية والاقتصادية عن كل المشاكل القائمة .

تشابه هياكلهم التنظيمية بتقديس وتعظيم القائد، والاعتماد على العسكر أو الميلشيات المسلحة كرأس حربة في انتزاع السلطة والتمسك بها(عسكرة المجتمع)

أعتماد نهج العنف والقمع الوحشي في تصفية الآخر المختلف وفي التخلص من المعارضين لسلطتهم، وعدم التردد في ارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

معاداتهم الشرسة لقيم الحداثة والتقدم ومبادئ حقوق الإنسان.

إنه ليس من الدقة العلمية إطلاق صفة الفاشية على كل تنظيم عنصري يتبنى نهج العنف والتعامل الوحشي ضد خصومه والمختلفين معه، أو يطرح نفسه كبديل وحيد لكل التشكيلات السياسية القائمة ،ولا على جميع التنظيمات الأصولية الدينية. ومع أن الاتجاهات والتنظيمات الفاشية الدينية موجودة لدى المسيحيين واليهود والهندوس ، إلا أنه حينما نتمعن في ما قامت وتقوم به داعش من ممارسات و ما ترتكبه من خرق واضح لمبادئ حقوق الإنسان في المناطق الخاضعة لسلطتها نجدها لا تخرج عن دائرة هذه الخصائص ، بل إنها شكلت كياناً فاشياً من نوع جديد (دولة الخلافة ) ، متأسساً على فاشية دينية لم يعرف التاريخ من قبل مثيلا لوحشيتها .

من المعروف أن المحافظات الغربية والشمالية الغربية (الأنبار ، نينوى ، صلاح الدين ) حيث النشاط الداعشي الكبير الذي يحتل مساحة كبيرة من الأراضي العراقية و يغطي جزءاً كبيراً من المناطق الحدودية مع ثلاث دول عربية ،ويرتبط سكانها بعلاقات عشائرية وقبلية متينة ، تحولت ومنذ أسقاط نظام صدام حسين على يد الأمريكان سنة إلى ملجأ لعدد من قيادي وعسكريي النظام السابق ممن خسروا مواقعهم ونفوذهم ولم يتم احتواؤهم في التشكيلات العسكرية الجديدة ، وإلى مرتع مفتوح للقاعدة (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين التي تأسست في) الباحثة باستمرار عن مواقع ملتهبة لمزاولة أنشطتها الإرهابية ولاستقطاب عناصر جديدة إلى صفوفها،

مما جعل المنطقة مسرحاً لمصادمات واشتباكات مسلحة لم تنقطع مع السلطات الجديدة الحاكمة في بغداد ، والتي بسبب ضعف حضورها «كسلطة مركزية قوية» في هذه المناطق تكونت فئة طفيلية « لم تكن ذات وزن في التركيبة الاجتماعية قبل الغزو الأمريكي » ، امتهنت التهريب والاتجار بالمواد الممنوعة وجباية الإتاوات بالقوة من أهالي وسكان المنطقة . إن تٌكون هذه الفئة الطفيلية - التي جمعت في ايديها إمكانيات مالية من مصادر غير تنموية وليست قائمة على نشاط اقتصادي حقيقي - في مثل هذه البيئة المضطربة ،

جعل منها رغم محدودية عددها مجموعة فاعلة في جميع الأنشطة المناهضة لإعادة الأوضاع إلى سابق عهدها قبل سقوط نظام صدام حسين ، بحيث أصبح من المتعذر الفصل بين من يريد إسقاط النظام الجديد لأغراض سياسية ومن يريد أن يشغل النظام لمصالح فئوية مادية ، كي يصرفه عن التدخل الأمني في هذه المناطق ، وهو ما جعل من العمليات الإرهابية الدموية مجالاً للعمل المشترك (مجلس شورى المجاهدين) بين هذه المجموعات وحقلاً للتنافس بين بعضها البعض لانتزاع منصب القيادة .

لقد ساعد عجز السلطة عن تأسيس جيش وجهاز أمني ٍّ وطنيين قادرين على بسط نفوذ السلطة المركزية على كامل التراب العراقي، وانتهاجها سياسة تمييزية متعارضة مع مبادئ الوحدة الوطنية ، إن ارتفعت وتيرة دعوات الانفصال والتقسيم تحت مبررات طائفية، بتحفيز من القوى نفسها المستفيدة من استمرارية هيمنة الفوضى وبتشجيع من قوى إقليمية تطمح في رؤية العراق مقسما ً وضعيفاً.

وقد ساعد النزاع المسلح على الأراضي السورية بين النظام الحاكم و الفصائل المعادية لها على أن تكونت بيئة مشابهة للبيئة العراقية ، حيث عمت الفوَضى العارمةٍ ، والانفلات الأمني في تلك المناطق التي غابت عنها السلطة المركزية وتحديداً في تلك البقاع الملاصقة للحدود العراقية والغنية بأبار النفط والغاز وتكونت فيها فئات طفيلية تمتهن التهريب (النفط ، الآثار ، السلاح ) و الخطف والاتجار في الممنوعات وفي سرقة مساعدات اللاجئين ، وسواها من الأعمال الإجرامية ذات العائدات المحرزة.

لقد وجدت هذه الفئات أن من مصلحتها التعاون والتحالف والاندماج مع المنظمات المسلحة كافة ، بما في ذلك ذوو التوجهات الدينية المتطرفة ؛ لما يوفر لها ذلك من غطاء وحماية وضمان لبقاء ، وزيادة أنشطتها في هذه المناطق التي لم يعد من الممكن تمييز ما يجري فيها بين عنف العصابات أو عنف منظمات التطرف الديني الذين كانوا ولا زالوا يتنافسون ويتصارعون على زيادة مردوداتهم ومكاسبهم المالية وبسط نفوذهم في الأماكن "الغنية" .

ومثل ما ولدت الدولة الإسلامية في العراق من رحم القاعدة سنة ، فقد ولدت داعش على الأرض السورية (يناير ) من الرحم القاعدي نفسه (النصرة) ولكن من أب عراقي ، وفي أوضاع تعمها الفوضى، وتحاصرها الصراعات الدموية.

لعب ضعف قوى المعارضة المدنية السورية وعجزها عن الإطاحة بالنظام الحاكم في دمشق اعتماداً على قواها الذاتية ، إلى تقوية تيارات الخيار المسلح من المعارضة، وقبولها بانضمام مقاتلين غير سوريين للقتال في صفوفها، وتقْبل بفكرة الاستعانة بالقوى الخارجية طمعاً في تغيير موازيين القوى على الساحة العسكرية ، وخاصة من بعض الدول المجاورة التي وجدت الفرصة سانحة ـ لدعمها لهذه الفصائل ـ لإسقاط حكم الرئيس الأسد واستبداله بنظام يتوافق مع مصالحها ومخططاتها الإقليمية. 

لقد قاد إصرار بعض الدول العربية وتركيا على اتباع هذا النهج أن تورطوا (بشكل مباشر أوغير مباشر، بقصد أو دون قصد) ) في السماح للقوى الأصولية المتطرفة بالتمدد والانتشار من خلال :- 

)) ألتغاضي أو غض الطرف عن وجود متطرفين أصوليين بين صفوف المعارضة ، والسماح لهم بتبوء مواقع متقدمة في صفوف تشكيلات المعارضة.

) تسهيل وصول مختلف أشكال الدعم (العسكري والمالي ) إلى القوى المناهضة للنظام كافة ،بما في ذلك القوى الأصولية ممن عرف عنه تشدده الديني وعدم تردده في استخدام شتى الألقاب للبرهنة على ذلك. 

) تيسير وصول المقاتلين القادمين من كل صوب إلى الأراضي السورية والتراخي في مراقبة الحدود ومعسكرات اللاجئين حيث تنشط هذه المنظمات فيها ، وتستفيد منها كمواقع لتنسيق اتصالاتها وتدبير شؤونها المالية .

) تجاهل انتهاكات بعض الفصائل لحقوق الإنسان ، و ارتكابها جرائم حرب وقتل جماعية للأقليات والطوائف غير المسلمة السنية .

) فتح معسكرات تدريب عسكرية لتدريب أعضاء منظمات المعارضة والتي شملت أيضاً عناصر متشددة من ذوي النزعات الدينية المتطرفة. ومن القوى التي استفادت بدرجة كبيرة من ذلك منظمة القاعدة حيث فتحت هذه التسهيلات لعناصرها منافذ حدودية جديدة وسهلت لعناصرها حرية التنقل عبر الحدود التركية السورية . تمماً كما فعلت باكستان حينما فتحت حدودها لدخول تلك العناصر إلى أفغانستان لمقاتلة السوفيات دون رقيب أو حسيب. 

لقد دفعت الفوضى المخيمة على ما سمي «بالأراضي المحررة » وعدم تمكن الفصائل المسلحة من توحيد صفوفها جراء تبعية بعضها لقوى خارجية لها أجنداتها الإقليمية والأطماع الشخصية لقادة هذه التنظيمات وكذلك الاختلافات السياسية والفروقات الفكرية بينها، أن أصبح التطرف سيد الموقف وواجهة للمزايدة بين هذه الفرق فتنامت وتيرة استخدام العنف المتوحش ليس فقط تجاه قوات النظام والأقليات والطوائف الدينية الأخرى ممن لم يعارضوا النظام ولم يرفعوا السلاح في وجهه ، وإنما ـ أيضاً ـ ضد بعضهم البعض . 

وتلقائياً بدأت القوى الأقل تطرفاً في الانحسار وخسران مواقعها لصالح القوى الأكثر تطرفاً وعنفاً ، والداعية "لحرق المراحل" والقفز فوق الجميع مما اكسبها شهرةً وبروزاً على السطح جعلاها تستقطب أعداداً جديدة من المقاتلين المحليين والقادمين من الخارج ، الذين دفعهم تطرفهم الديني للانضمام إلى التنظيم الأكثر شهرة والأسرع تمدداً طمعاً في بناء دولة الخلافة . 

إن القوى المتطرفة بشكل عام والدينية المتشددة بشكل خاص ،حينما لا تستطيع حسم الصراع الذي تخوضه لصالحها ، تنحىو نحو القفز في الهواء وحرق المراحل بالادعاء ببلوغ المراحل القصوى من مشاريعها ، فتبشر بذلك طمعاً في كسب التأييد والدعم من قبل العناصر الحانقة على الأنظمة السياسية المتسببة في فشلهم وهزائمهم في بلدانهم أو أماكن وجودهم كمقاتلين . فالعناصر القاعدية ومن بعد سقوط الحكم الطالباني في أفغانستان لم تتمكن من إحراز أي نصر أو تقدم يذكر ،

رغم العمليات الإرهابية التي نفذتها وتحاول تنفيذها سوى في مواقع الصراع كالعراق و اليمن ، وشمال أفريقيا، أو في مواقع بعيدة عن أراضي المعارك ، وهذا ما يدفعها لأن تكون بالغة الشراسة في محاولاتها لفرض حضورها الفعلي في كل موقع تقاتل فيه رغم الأثمان البشرية التي تدفعها ، فكانت الحالة السورية فرصتهم لتكرار التجربة الطالبانية .

لقد وجدت القاعدة العراقية (دولة الإسلام في العراق) وحلفاؤها العراقيون أن اقتصار تواجدهم في أجزاء محددة من العراق مهما طال لن يحقق لهم أهدافهم، وأن الصراع الطائفي المسلح مهما طال لابد أن يصل إلى نهايته (أيرلندا مثالا) فكانت فكرة دولة الخلافة في العراق والشام (داعش) التي تخطت ما تطرحه القاعدة (بما في ذلك فرعها السوري -النصرة- ) من شعارات وأهداف معلنة ، وذلك للأسباب التالية :ـ 

أولاً : لإعطاء زخماً معنوياً للقوى المتطرفة عبر الإعلان عن قيام دولة الخلافة . حيث ستتحول هذه "الدولة" إلى محطة استقطابية للعناصر الدينية المتطرفة التي فشلت في انتزاع السلطة في أوطانها ، ووجدت في هذه "الدولة " البديل لما فشلت في تحقيقه هناك في ديارهم .

ثانياً : سيتيح هذا التأسيس بناء جيشاً من المتحمسين والمستعدين لتقديم أرواحهم على أكفهِّم خدمة لهذه "الدولة" ، مما يجعله جيشاً شرساً لا يهزم بالطرق العسكرية التقليدية.

ثالثاً : إن أقتصار وجود "دولة الإسلام في العراق " على هذا الجزء من العراق ذي الموارد المحدودة ، سيجعل من السهولة محاصرتها براً وجواً، فلا يكون لها منفذاً على البحر، وهو غير متاح إلا عبر الأراضي السورية واللبنانية للوصول إلى سواحل البحر المتوسط.

رابعاً : تنوع مصادر الثروة في الجزء السوري يوفر لداعش مصادر دخل جيدة تجعلها قادرة على تحمل كل هذه المصاريف المترتبة على قدوم "المجاهدين الأنصار"و المواجهات العسكرية المستمرة .

خامساً : تشابه البيئة السكانية لكلتا المنطقتين وخاصة من الناحية المذهبية (السنية) مما يجعلهما بيئة حاضنة مناسبة ولا تشكل عائقاً في المستقبل في فرض النظام الأصولي المتسق مع أطروحاتهم المتطرفة . 

قد لا يختلف اثنان على أن القاعدة (النصرة) تتمنى هي ـ أيضاًـ أن تتحقق لها السيطرة على هذه المناطق ـ مثلما تمكنت داعش ـ وتستطيع التحرك فيها دون عوائق ، وأن تفعل ما تريد دون اعتراض أو منافسة من أي من الفصائل الأخرى، وأن تسترجع جاذبيتها السابقة في استقطاب المقاتلين الجدد، فيبلغ جيشها نفس الأعداد التي بلغها الجيش الداعشي ،

فتفرض نفسها كزعيمة المقاتلين التي تخشاها كل الفصائل وتسلم لها لواء الطاعة . فكلا التنظيمين لا يريد لأحد أن يقاسمه الزعامة ، (وما أدراك ما تجلب الزعامة من غنائم) ويريد أن ينفرد بها دون غيره ، وفي هذا يكمن جوهر الخلاف بين القيادتين ، الذي لا يمكن إنهاؤه إلا بإلغاء أحد الطرفين ، فقد شكل إعلان دولة الخلافة ليس فقط تمرداً انفصالياً عن «القاعدة »الأم أو الأصل ،

بل إسقاطاً لدورها التقليدي وحقها في القيادة (حتى المعنوية) العالمية للمنظمات الجهادية السنية كافة باعتبار أن دولة الخلافة استطاعت تحقيق ما عجزت القاعدة عن تحقيقه ( تأسيس خلافة إسلامية عابرة للقارات ) . ومن جهة أخرى فإن القبول بقيام دولة الخلافة على أراضٍ عراقية وسورية يتعارض مع الصفة المحلية أو الوطنية السورية لأي فصيل مسلح .

فالهدف يتحول من إسقاط نظام الأسد إلى تأسيس دولة إسلامية على أراض سورية و غير سورية ، أي أن تخليص سوريا من "ظلم " الأسد لم يكن هو المحرك أو الدافع لتأسيس هذه المنظمات الجهادية بما فيها منظمة النصرة ، التي حاولت تقديم نفسها حين الإعلان عن قيامها بأنها تمثل جزءاً من الشعب السوري المكافح لإسقاط نظام حزب البعث العلماني، أو العلوي المرتد . وأخيرا ً فإن القبول بهذه الدولة مع بقاء أجزاء من الأرض السورية تحت سيطرة النظام سيجعلها كمن لا يمانع في تقطيع التراب السوري لبلوغ أهداف ليست ضمن أهداف المعارضة السورية كحركة وطنية ، وهي ورقة قوية في يد النظام يستخدمها لتأكيد ما يقوله بأن هذه الفصائل لم تكن في يوم من الأيام منظمات وطنية مهتمة بمصلحة سوريا كوطن موحد.

أما حين التوقف عند الهيكلية التنظيمية لداعش ، فسنجد أنه كما في التنظيمات الفاشية من شخصنة لدور القائد حيث يتم إبراز رأس التنظيم كشخصية فريدة متميزة يمتلك من الصفات الشخصية ما لا يملكه غيره ، فهو "الفوهر" أو "الدوتشي " أو "الكاوديو" أو "الخليفة" (كما في حالة الخلافة الداعشية ) ، الذي تصبح طاعته مسألة عقائدية ملزمة للجميع لا مجال للاعتراض عليها بعد أن بُويع من قبل أعوانه المقربين (حلف المطيبين)

وكما جاء في خطبة البغدادي العلنية- الوحيدة حتى الآن - التي أعلن فيها قبوله بأن يكون " أميراً للمؤمنين "، فهو لا يعدُ اتباعه ومبايعيه بحياة الرفاهية والرخاء كما يعد "الملوك والحكام شعوبهم"، بل يعدهم بالجهاد كطريق لكرامتهم وليس بحفظ حقوقهم ، أي لابد من الحرب لإحياء المجد الذي أفل ، وحانت ساعة استرداده على يديه وتحت قيادته . لذا لابد من مبايعته كقائد [خليفة ] . والويل لمن ينكث هذه البيعة ، حينها ( مستغلين قيمة البيعة في الإسلام ) يتحول إلى مرتد (خائن) ، تماما كما كانت النظم الفاشية تتعامل مع كل من لا يقبل بدور القائد المطلق ، أو يرى طريقاً آخر غير هذا الطريق.

إن دور العسكر في داعش لا يختلف هو الأخر عن الدور الذي قام به العسكر في النظم الفاشية المعروفة تاريخياً ، من حيث الاعتماد على عسكرة المجتمع كوسيلة لإحكام القبضة عليه . ومنح العسكر مكانة متقدمة في قيادة النظام ، كما هو الحال في قيادة أركان دولة الخلافة ، فالمعلومات المتسربة حول هذه المسألة تؤكد أن العمود الفقري لقيادتها العسكرية والمخابراتية تتشكل من عسكريين وضباط مخابرات كبار من الجيش العراقي السابقين ومن الشيشان ومن مسلمين روس من ذوي الخبرات العسكرية ، الذين يتعزز دورهم ومواقعهم القيادية مع تزايد عملياتهم العسكرية(العلنية والخفية)

لا تختلف ممارسات الفرق والأفراد الداعشيين شكلاً ومضموناً عن الممارسات الفاشية الإيطالية والألمانية أو المنظمات الفاشية الجديدة في أوروبا من ممارسات عنفية يقصد بها إخافة الناس وإنزال الرعب في نفوسهم كي يستسلموا ويقبلوا بسلطانهم . كما أن التمدد الجغرافي في الأراضي العراقية والسورية وإخضاع سكان هذه الأراضي بالقوة وتهديد كل من لا يقبل الخنوع لهم والاستسلام لسلطتهم بالقتل ، بحجة أن دولة الخلافة لا تقام إلا بحز رقاب معارضيها ، يتشابه أن لم يتطابق مع أفعال الجيش الألماني الهتلري أثناء حروبه الاحتلالية التي لم يتردد فيها في القضاء على سكان قرى بأكملهم حينما تواجهه مقاومة من بعض سكانها .

لقد تمكنت داعش من كسب عشرات الآلاف من الشباب المسلم المتوهمين بأن الانضمام إليها سيمنحهم الفرصة لبناء الدولة الإسلامية الكبرى ، تماماً كما كان فاشيو إيطاليا يطمحون في إعادة بناء الإمبراطورية الرومانية القديمة ، ونازيو ألمانيا في بناء الرايخ العظيم ، وهم مستعدون للقتال بكل ضراوة في سبيل بلوغ ذلك، تحفزهم وتلهمهم أيديولوجيه دينية قوية التأثير والاستحواذ على العقول ،" فالفاشية الدينية - كأخطر أنواع الفاشيات - تستبدل أسس الصراع الاجتماعي بالأسس الدينية ، فتحولها إلى قوة معرفية تمارس سلطة على العقل وتقيده وتجعله مسلوب الإرادة متوقفاً عن التفكير " ،

كما أنها كعقيدة أممية تزيل عن نفسها كل معوقات الجغرافيا والقومية التي تقيد نشاطها أو جنسية المنطوين تحت لوائها .و هي كعقيدة تسلطية تنبثق من اليقين المطلق بشرعية وصوابية هذه العقيدة المخولة بالاستناد على نصوص دينية ـ مختزلة ـ في إقامة حكم الله على الأرض ، وإخضاع جميع البشر تحت هذا الحكم ، وأن الاعتراض على ذلك مخالفة للدين يجب محاربتها والقضاء على من ينادي بها ويتبناها ، ففي ذلك كسباً لرضوان الله وتقاته.

وهو ما يجعل العمل لفرض هذا النمط من الحياة يتم دون اعتبار لكل الشرعيات القائمة و لما بلغته الإنسانية من تقدم في توقير حقوق الإنسان وحماية البشر من الاضطهاد الفكري والسياسي والاستعباد الاقتصادي.

لقد أصبحت مكاسب داعش في معاركها في العراق و في سوريا ، عامل جذب لمقاتلين جدد يبايعونها وينضمون للقتال في صفوفها ، فماكينة الدعاية الداعشية (كما هي في جميع الأنظمة الفاشية) نشيطة وبارعة في تقديم هذه المكاسب كنصر للإسلام لتحبيب وترغيب الشباب المسلم للاشتراك في هذه الانتصارات ، فما يستدل عليه من التقديرات الأولية أن داعش ـ حالياً ـ تضم في صفوفها عشرات الآلاف من المقاتلين ، بينما قيل في بداية الأمر بأنهم في حدود الخمسة عشر ألف لا غير، فكيف تضاعف هذا العدد بهذه السرعة ؟

لولا هذه الدعاية النشيطة لاستقطاب عناصر جديدة محلية وأجنبية والدعم الذي تحظى به من جهات مجهولة لها مصالح في استمرار هذه الأوضاع الملتهبة .ولن يكون مستغرباً أن نرى هذا العدد يزداد ويتضخم مع استمرار المعارك التي يخوضونها على أكثر من جبهة . وهذا ما تسربه بين الحين والآخر الأجهزة الاستخباراتية الأوروبية والأمريكية عن تزايد أعداد المنضمين لداعش من مختلف البلدان الأسيوية والأوروبية مما يضخم من وحداتها القتالية ويتيح لها فرض هيمنتها بأحكام على جميع البقاع التي تمكنت من وضعها تحت سيطرتها . وفي ظل الظروف السياسية والأمنية القائمة

واعتبار داعش منظمة إرهابية، لم يعد أمام الآلاف من هؤلاء المقاتلين غير التمسك بهذا الوضع والقتال بكل ما يستطيعون للحفاظ عليه ، فلقد أصبح بقاء واستمرار "دولة الخلافة" بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت . كما أن الفئات الطفيلية المستفيدة من عمليات التهريب وبيع الآثار والاتجار بالبشر وغير ذلك من العمليات غير الشرعية والمرتبطة بعصابات دولية ومنظمات عالمية عنكبوتية متنفذة ، وضالعة في غسيل الأموال ، تجد في الإبقاء على داعش مسيطرة على هذه المناطق المفتوحة فرصتهم لجني المزيد من الأرباح من هذه العمليات المحرمة دولياً و المرفوضة أخلاقياً.

وهكذا تتكون قوة اجتماعية يرتبط مصيرها بمصير داعش ، لن تتردد في عمل المستحيل لإدامة هذه السيطرة الداعشية، و دعمهم لها لتضم في قبضتها مزيد من المساحات الجغرافية في اكثر من بلد ، وهو ما تروج له داعش من أن دولة الخلافة الإسلامية يجب أن تمتد وتبسط سيطرتها على جميع بلاد المسلمين ، بل وتغزو البلدان الغير مسلمة لتضمها في دولة الخلافة كما فعل المسلمون من قبل . ومع مرور الأيام سيصبح إسقاط هذا الكيان بجيشه الإرهابي مسألة معقدة في ظل تصعيد الروح الطائفية والتشدد الديني التي تستخدمها الماكينة الإعلامية الداعشية خير استخدام ، خاصة حين نعرف أن الفكر الداعشي يستمد أطروحاته من الفكر السلفي الأصولي القائم على مقولات دينية طائفية شديدة العداء للحريات الديمقراطية ولحقوق الإنسان ولإفكار الحداثة والتقدم والعيش الإنساني المشترك.

إن دروس التاريخ تعلمنا أن التردد في بناء قوة فاعلة تضم في صفوفها كل القوى المعادية لهذا النهج الفاشي في هذا الوقت بالذات ، لن يفضي إلا للمزيد من العنف والدمار والخراب ليس فقط في المنطقة الجغرافية التي هي تحت سيطرتها ، بل أن هذا الوباء سيمتد إلى بلدان أخرى ، وستواجه شعوبها نفس المحن والمعاناة التي أوجدتها هذه الفاشية في العراق وسوريا ، حينها سيبكون التغلب على هذا الوحش أكثر كلفة بشرياً ومادياً . فالتشرذم وتبعثر الجهود والتمسك بالمواقف الأنانية و تغليب المصالح الضيقة وإقصاء أو تهميش القوى المدنية المعارضة لهذه الفاشية يعد بحد ذاته أحد المواقف التي تعتمد عليها داعش في سياستها الدفاعية والهجومية.

بل أن الاستمرار في الانقسام والفرقة والتلكؤ في القيام بمواجهة مشتركة ومبكرة لهؤلاء الفاشيين سيطيل من أمد الحرب معها ، ويساعدها على استقطاب المزيد من العناصر السلفية المتطرفة ، والتآلف والتوحد مع التنظيمات الأصولية الموجودة في عدد من البلدان الإسلامية .

إن ما يقال اليوم عن أن القضاء على داعش سيحتاج إلى سنين طويلة ، يمكن تفسيره بأنه غياب لإرادة حقيقية للقضاء عليها في الوقت الحاضر ، وترك شعوب المنطقة تتورط في حروب دينية وأثنية طويلة المدى ستقود إلى مزيد من التدمير والهلاك ، والبقاء في دوائر التخلف والتبعية للغير القوي ، الذي سيهيمن على المنطقة من خلال التحكم في مسيرة هذه الحروب ، التي ستدمر كل ما تم بناؤه خلال العقود الماضية. 

إن الإستراتيجية الحالية في معالجة الوضع السوري وتداعياته لم تثمر حتى الآن عن أي نتائج قريبة أو ملموسة تنهي معاناة الشعب السوري وتفتح المجال أمامه لحياة ديمقراطية حرة كريمة وآمنة وخالية من الظلم والاستبداد ، وبالتالي فإن المجيء برؤية جديدة مختلفة عما هو متبع عليه الآن، كخلق جبهة موحدة معادية للفاشية الداعشية في جميع البلدان العربية وخاصة في دول المواجهة تضم كافة القوى السياسية والفكرية والعسكرية المعادية لهذا النهج الفاشي ،

مستفيدة من الزخم الدولي المعادي لها وللحركات الأصولية الإرهابية الأخرى ، يكون هدفها الأول إزالة الكيان الداعشي من على الأراضي السورية والعراقية ، وتخليص المنطقة من وجودها البغيض . وهو ما سيجعل من معركة القضاء أو التخلص من « الدولة الإسلامية » في فترة زمنية ليست بتلك الطول الزمني ، الذي يتحدث به البعض . إن قيام مثل هذه الجبهة ، أو هذا التحالف الواسع لا يمكن أن يتحقق دون سير جميع أطرافه إلى منتصف الطريق كي يتحقق الالتقاء المؤقت، الذي سيكون تنازلاً مكلفاً لجميع الأطراف ولكنه مجدي على المديين القريب والبعيد .

إن المعركة العسكرية للقضاء على الكيان الداعشي قد لا تكون طويلة ـ حينما تتوفر القوة العسكرية والإرادة السياسية ـ ولكن المعركة الفكرية والثقافية ستكون أطول، فالتخلص من المصادر الفكرية والثقافية التي تستقي منها داعش وكل المنظمات الأصولية مبرراتها ومسوغاتها الأيدلوجية هي من العمق والقوة بحيث لا يمكن تحقيقه دون ثورة ثقافية تكون مستندة على القيام بتغييرات عملية في البنية السياسية والاقتصادية القائمة في البلدان العربية دون استثناء ، تستند على خيار التعددية السياسية والحرية الفكرية وتداول السلطة وفصل السلطات ، واحترام حقوق الإنسان و حقوق الأقليات القومية والأثنية والدينية ، والتوجه نحو تأسيس اقتصاد معرفي متعدد المصادر يحقق للشعوب العربية تنمية إنسانية مستدامة.



التعليقات «1»

ابو طالب - [الثلاثاء 13 اكتوبر 2015 - 8:22 ص]
المقال/الدراسة ثري ودسم وسوف تقرؤه قلة قليلة من المثابرين ولو نشر فقط الجزء الأخير بعد حذف السرد التاريخي - الممتع في نظري - لأقبل على قراءة المقال عدد أكبر بكثير وأوصل نفس الرسالة.
كالعادة ابو فهد دقيق ومتميز في طرحه ولكنه - ولأسباب مفهومة - سكت عن جوانب اساسية عن تكون وتمدد داعش وعن ميزان القوى القائم الآن على أرض الواقع ، و لكن ذلك لا يقلل من أهمية طرحه المنادي بالتكاتف لمواجهة الدمار القادم حتى لو تم سحق داعش عسكريا.
مع الاسف من يسميهم "القوى المدنية" غير موجودة ولكنها صرخة بواد !!!

مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات