» الملحقية الثقافية في أميركا تحذر المبتعثين من زيارة مدن شمال المكسيك  » عطلة نهاية الأسبوع ثلاثة أيام  » كيف تكون مبدعاً ومشاركاً في الرفاه الاقتصادي والتطور الحضاري  » إطلاق خدمات "كريم باص" في المملكة  » والدة الطفل ضحية كلاب الأحساء تكشف تفاصيل الفيديو المروِّع  » «عين داروش» القديمة.. أشهر ينابيع القطيف  » التولي والتبري : هداية وغواية  » حنين  » منغصات الحياة لا تعني التعاسة  » عام على قيادة المرأة السيارة.. السعوديات: ارتحنا من السائقين  
 

  

سماحة الشيخ احمد سلمان - 29/07/2015م - 5:00 م | مرات القراءة: 20155


نوضح في هذه الحلقات بما تفضل به شيخ الأزهر (سماحة الدكتور أحمد الطيب) من شاشة التلفزيون المصري طيلة شهر رمضان الكريم في برنامج بعنوان (حديث شيخ الأزهر), وقد تعرّض في هذا البرنامج إلى بعض القضايا الخلافية ...

ح1

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

مقدمة:

أطلّ علينا شيخ الأزهر (سماحة الدكتور أحمد الطيب) من شاشة التلفزيون المصري طيلة شهر رمضان الكريم في برنامج بعنوان (حديث شيخ الأزهر), وقد تعرّض في هذا البرنامج إلى بعض القضايا الخلافية بين مذهب أهل السنة والجماعة ومدرسة أهل البيت عليهم السلام, وركّز حديثه في هذه الليالي على قضية الصحابة وما يتعلّق بها.

وإيمانا منّي بأهمية القراءة النقدية في تبيان الحقائق, ارتأيت أن أكتب سلسلة من المقالات لمناقشة ما طرحه طيلة هذا الشهر وتقييم الأطروحة التي جاد بها واعتبرها العقيدة الصافية النقية الثابتة بالعقل والنقل.

وقبل البدء في مناقشة المحاور التي طرحها لا بدّ من ذكر الجانب الإيجابي في طريقة سماحة شيخ الأزهر في طرح المواضيع المتعلّقة بالشأن الشيعي:

أوّلا: يحسب لفضيلة شيخ الأزهر أنّه طرح آراء الشيعة كفرقة إسلامية معترف بانتمائها للدين الحنيف, ولم يصدر منه أي إساءة للمدرسة أو لرموزها -بحسب متابعتي للبرنامج- وهذا ما كنّا نتمنّى حصوله من زمن بعيد: مناقشة الفكر المخالف بالدليل والبرهان بعيدا عن المواحشة والمفاحشة .

ثانيا: طرح النظرية السنية للصحابة بمنهج علمي بعيدا عن دغدغة مشاعر المشاهدين واللعب على وتر العواطف, بل نجد أنّه اتبع أسلوب المقدمات والنتائج, وأشار حتّى إلى مواطن الخلاف بين مختلف المدارس السنية في بعض الموارد وبيان دليل كلّ فئة.

ثالثا: دعوته المتكرّرة إلى ضرورة التقارب والتعايش السلمي بين جميع المسلمين (شيعة وسنّة) وتعبيره عنهم بجناحي الأمّة, ونبذه للفرقة التي ستفضي لإضعاف المسلمين وتشرذمهم.

وليكون هذا النقد بنّاء,  نذكر بعض السلبيات التي سجّلت على أطروحته في هذا البرنامج:

أولا: لم يوفّق فضيلة الشيخ في اختيار توقيت هذا البرنامج, فرغم طرحه العلمي المتميّز مقارنة بغيره إلّا أنّ الظرف الذي نعيشه يجعلنا نستغرب من اختيار هذا الموضوع؟! فالمسلمون يقتلون ويذبحون في هذه الأيام على يد مجموعة ارهابية تنسب نفسها لمدرسة أهل السنة والجماعة وتستند في جرائمها ضد الشيعة بالخصوص إلى أحاديث وفتاوى من الموروث السني, بل نجد أنّها تكفّر الشيعة صراحة بناء على عقيدتهم في الصحابة!! فالأولى بشيخ الأزهر مناقشة هؤلاء الذين لم يسلم منهم أحد من المسلمين وبيان فساد طريقتهم وحرمة دماء المسلمين والشيعة بدلا من الموضوع الذي تطرّق إليه.

ثانيا: تعرّض شيخ الأزهر في حديثه إلى حالة التغير في نظرة الشباب المصري لمجتمع الصحابة من التقديس المطلق إلى اعتباره مجتمعا عاديا يخضع أفراده للتقييم الموضوعي, وللأسف فإنّ الدكتور لم يتعب نفسه بالبحث عن أسباب هذا التحول بل أرجعه مباشرة إلى (مؤامرة) تحاك ضدّ شباب المسلمين في مصر, وتمنينا عدم صدور مثل هذا الكلام منه.

ثالثا: نقل لنا شيخ الأزهر جملة من الآراء الكلامية لمدرسة أهل البيت عليهم السلام, إلّا أنّه إمّا لم يحط بكلّ جوانبها أو اعتمد على فهم متكلمي الأشاعرة فجانب الدقة في نقله وكانت أجوبته مبنية على هذا الفهم المغلوط للفكرة

ورغم هذه السلبيات فإنّ تناول شيخ الأزهر لعقائد الشيعة ومناقشتها يعتبر الدخول في مرحلة جديدة من الحوار الشيعي السني, إذ أنّ المدرسة الأشعرية التي تمثل الثقل الأكبر لأهل السنة كانت غائبة عن هذه الساحة, وكان الحضور الأبرز للتيار السلفي في مناقشة الشيعة, ولذلك فإنّ عودة الأشاعرة على الساحة سيخلق نوعا من التوازن في الساحة الإسلامية.

والحمد لله ربّ العالمين...

ح 2

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

تعريف الصحابي:

ذكر سماحة الدكتور تعريفا للصحابي لخّصه في ثلاثة أركان بحيث من اجتمعت فيه يصحّ اطلاق مصطلح الصحبة عليه:

من لقي النبي صلى الله عليه وآله ولو مدّة يسيرة بحسب مختاره

وكان مسلما حين لقائه

ومات على الإسلام

نقد التعريف:

أوّلا: من يقرأ كتب الحديث والرجال يجد أنّ مصطلح الصحابي عند مدرسة أهل السنّة والجماعة لم يضبط إلى يومنا هذا, بل نجد أنّه كان ولا زال محلّ اختلاف بين المحدّثين والمؤرخين والفقهاء.

ويكفينا أن ننقل ما ذكره بدر الدين العيني في عمدة القاري ليعلم الجميع الاختلاف الشديد الذي وقعوا فيه, قال في 16/169: أشار بهذا إلى تعريف الصاحب، وفيه أقوال الأول: ما أشار إليه البخاري بقوله: من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه ، وقال الكرماني : يعني الصحابي مسلم صحب النبي صلى الله عليه وسلم، أو رآه، وضمير المفعول للنبي صلى الله عليه وسلم والفاعل للمسلم على المشهور الصحيح، ويحتمل العكس لأنهما متلازمان عرفاً؛


فإن قلت: الترديد ينافي التعريف, قلت: الترديد في أقسام المحدود يعني الصحابي : قسمان لكل منهما تعريف . فإن قلت: إذا صحبه فقد رآه, قلت: لا يلزم، إذ عبد الله بن أم مكتوم صحابي اتفاقاً مع أنه لم يره.. انتهى, قلت: من، في محل الرفع على الابتداء وهي موصولة، وصحب، صلتها، وقوله: أوراه، عطف عليه أو رأى النبي صلى الله عليه وسلم، الصاحب ويحتمل العكس ، كما قاله الكرماني ، لكن الأول أولى ليدخل فيه مثل ابن أم مكتوم . وقوله : ( فهو من أصحابه ) جملة في محل الرفع على أنها خبر المبتدأ ، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ الشرط, وقوله: (من المسلمين) قيد ليخرج به من صحبه أو رآه من الكفار، فإنه لا يسمى صحابياً ، قيل : في كلام البخاري نقص ما يحتاج إلى ذكره ، وهو : ثم مات على الإسلام ، والعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال : الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم مات على الإسلام ، ليخرج من ارتد ومات كافراً : كابن خطل وربيعة بن أمية ومقيس بن صبابة ونحوهم ، ومنهم من اشترط في ذلك أن يكون حين اجتماعه به بالغاً ، وهو مردود لأنه يخرج مثل الحسن بن علي ، رضي الله تعالى عنهُما ، ونحوه من أحداث الصحابة؛

 القول الثاني: إنّه من طالت صحبته له وكثرت مجالسته مع طريق التبع له والأخذ عنه، هكذا حكاه أبو المظفر السمعاني عن الأصوليين ، وقال: إن اسم الصحابي يقع على ذلك من حيث اللغة ، والظاهر قال: وأصحاب الحديث يطلقون اسم الصحابة على كل من روى عنه حديثاً أو كلمة يتوسعون حتى يعدون من رآه رؤية من الصحابة ومن ارتد ثم عاد إلى الإسلام لكن لم يره ثانياً بعد عوده ، فالصحيح أنه معدود في الصحابة لإطباق المحدثين على عد الأشعث بن قيس ونحوه ممن وقع له ذلك ، وإخراجهم أحاديثهم في المسانيد ،

وقال الآمدي: الأشبه أن الصحابي من رآه وحكاه عن أحمد وأكثر أصحاب الشافعي ، واختاره ابن الحاجب أيضاً ، لأن الصحبة تعم القليل والكثير ، وفي كلام أبي زرعة الرازي وأبي داود ما يقتضي أن الصحبة أخص من الرؤية، فإنهما قالا في طارق بن شهاب: له رؤية وليست له صحبة، قال شيخنا: ويدل على ذلك ما رواه محمد بن سعد في (الطبقات): عن علي بن محمد عن شعبة عن موسى السيناني قال : أتيت أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه، فقلت: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي، قال ابن الصلاح: إسناده جيد؛

القول الثالث: ما روى عن سعيد بن المسيب أنه لا يعد الصحابي إلاَّ من أقام مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سنة أو سنتين ، وغزا معه غزوة أو غزوتين ، وهذا فيه ضيق يوجب أن لا يعد من الصحابة جرير بن عبد الله البجلي ومن شاركه في فقد ظاهر ما اشترطه فيهم ممن لا نعلم خلافاً في عده من الصحابة، قال شيخنا: هذا عن ابن المسيب لا يصح ، لأن في إسناده محمد بن عمر الواقدي وهو ضعيف في الحديث؛

القول الرابع: إنه يشترط مع طول الصحبة الأخذ عنه، حكاه الآمدي عن عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ من أئمة المعتزلة، قال فيه ثعلب: إنه غير ثقة ولا مأمون، ولا يوجد هذا القول لغيره؛ القول الخامس: أنه من رآه مسلماً بالغاً عاقلاً حكاه الواقدي عن أهل العلم والتقييد بالبلوغ شاذ وقد مر عن قريب؛ القول السادس: إنه من أدرك زمنه صلى الله عليه وسلم ، وهو مسلم ، وإن لم يره ، وهو قول يحيى بن عثمان المصري ، فإنه قال فيمن دفن أي بمصر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن أدركه ولم يسمع منه أبو تميم الجيشاني، واسمه عبد الله بن مالك. انتهى. وإنما هاجر أبو تميم إلى المدينة في خلافة عمر، رضي الله تعالى عنه باتفاق أهل السير، وممن حكى هذا القول من الأصوليين: القرافى في (شرح التنقيح) وكذلك إن كان صغيراً محكوماً بإسلامه تبعاً لأحد أبويه...

وكما يرى القارىء البون الشاسع بين التعاريف التي تبنّاه أعلام مدرسة أهل السنة والجماعة: فبعض التعاريف وسّعت دائرة الصحبة وأدخلت الكثير من الأفراد الذين خرجوا عن الصحبة في التعاريف الأخرى بسبب القيود التي أضيفت لها.

وعلى هذا يبقى السؤال: في ظلّ هذا الاختلاف الكبير على أي أساس اعتمد سماحة شيخ الأزهر هذا التعريف دون غيره؟

ثانيا: إنّ التعريف الذي ذكره سماحة شيخ الأزهر ليس بمانع, إذ أنّ قيد الإسلام لا يخرج المنافقين الذين لا شكّ ولا ريب في ابطانهم للكفر والزندقة!

فالقرآن الكريم فصّل بين الإسلام والإيمان كما في قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم) ولا شكّ في أنّ المنافقين على ظاهر الإسلام, وعاملهم النبي صلى الله عليه وآله على ذلك إمّا تأليفا لقلوبهم أو لكفّ أذاهم عنه وعن دين الله.

ومن هنا فقد اعترف النووي أنّ هؤلاء كانوا معدودين في أصحابه, قال في شرحه على مسلم 16/139: ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الاسلام وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم.

ثالثا: وعدنا فضيلة الدكتور بالاعتماد على النصوص الشرعية من الكتاب والسنّة في بحثه عن الصحابة, إلّا أنّه لم يتطرّق إلى أي منها عند بحثه عن (تعريف الصحابي) رغم أنّ هذا المطلب هو أساس الخلاف بيننا!

وبيانه أنّ الصحبة لغة بمعنى المعية والملازمة والانقياد كما ذكر في قواميس اللغة الجامعة لكلام العرب, بل من يتبع النصوص الشرعية يجد أنّها لم تخرج عن الاستعمال العربي للصحبة لكي يدّعى وجود حقيقة شرعية أو متشرّعية.

فالقرآن الكريم استعمل (الصحبة) في أصحاب العقائد المختلفة مثل قوله (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب) وخاطب قريس بقوله: (ما بصاحبكم من جنّة) وقوله: (ما ضلّ صاحبكم وما غوى) وقوله: (وما صاحبكم بمجنون)

والأحاديث النبوية استعملت مفردة (الصحبة) في نفس المعنى اللغوي:

فنجد أنّ النبي صلى الله عليه وآله اعتبر عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين بأنّه من أصحابه كما في صحيح البخاري 4/160: وقال عبد الله بن أبي ابن سلول أقد تداعوا علينا لان رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فقال عمرا لا تقتل يا رسول الله هذا الخبيث لعبد الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أنّه كان يقتل أصحابه.

ونجد أنّ النبي صلى الله عليه وآله اعتبر ذو الخويصرة رأس الخوارج من أصحابه كما في مسند أحمد 3/354: لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم هوازن بين الناس بالجعرانة قام رجل من بنى تميم فقال اعدل يا محمد فقال ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل لقد خبت وخسرت ان لم أعدل قال فقال عمر يا رسول الله الا أقوم فاقتل هذا المنافق قال معاذ الله أن تتسامع الأمم ان محمدا يقتل أصحابه.

بل الملفت للنظر أنّ النبي صلى الله عليه وآله اعتبر القوم الذين ارتدّوا على أعقابهم من أصحابه كما في حديث الحوض المشهور صحيح البخاري 4/110: إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا ثم قرأ كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا انا كنا فاعلين وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم وان أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله الحكيم.

ومن هنا فإنّ العدول عن المعنى اللغوي للصحبة إلى معنى آخر اصطلاحي يحتاج إلى دليل قوي, خصوصا أنّ الإخوة السنّة قد رتّبوا الأثر على هذا التعريف واعتبروه موضوع الآيات التي حكمت بعدالة الصحابة بحسب تقريرهم.

خلاصة البحث:

المعنى اللغوي للصحبة هي المعية والملازمة والانقياد وبه نطقت الآيات الكريمة والروايات الشريفة.

لا يوجد دليل على المعنى الاصطلاحي الذي تبنّاه فضيلة شيخ الأزهر بل لا يخرج عن كونه مجرّد استحسان.

لو سلّمنا بهذا التعريف سقطت قضية العدالة ابتداء لأنّ هذا الحدّ لا يمنع من دخول المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وهذا عين ما تقوله الشيعة بل عين ما نطق به المصطفى صلى الله عليه وآله صحيح مسلم 8/122: في أصحابي اثنا عشر منافقا فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة وأربعة لم احفظ ما قال شعبة فيهم.

والحمد لله ربّ العالمين

ح3

 بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على محمد وآل محمد

تعريفه للعصمة:

قبل أن يبدأ شيخ الأزهر في ذكر أدلّة عدالة الصحابة, ذكر الفرق بين مفهوم العصمة ومفهوم العدالة لينتهي إلى هذه النقاط الثلاثة:

العصمة هي عدم قدرة المعصوم على القيام بالذنب لوجود الكوابح الإلهية

العصمة خاصة بالأنبياء والمرسلين فقط ولا تشمل غيرهم

هذه العصمة لا ننسبها للصحابة بل ننسب لهم العدالة التي قد يجتمع معها الوقوع في الذنب.

نقد تعريفه العصمة:

لا أدري من أين جاء فضيلة الدكتور بهذا التعريف, إذ أنّ لازم هذا التعريف عدم وجود أي فضيلة للنبي صلى الله عليه وآله, وذلك لاعتباره العصمة (عدم قدرة) على ارتكاب الذنب وهو ما يساوق سلب الاختيار في مقام الفعل للنبي صلى الله عليه وآله وهو ما يساويه مع عامّة الناس:

فالإنسان العادي يقدم على الذنب لنزوع نفسه له وعدم وجود المانع والكابح بحسب تعبيره لفعل ذلك, ونفس هذا الشيء يحصل للأنبياء إلّا أنّ المانع الغيبي هو الذي يمنعهم من ارتكاب الذنب.

وقد التفت علماء الكلام شيعة وسنّة إلى خطورة هذا القول فنصّوا على بقاء القدرة والاختيار عند من كان معصوما, وهذه بعض كلمات علماء أهل السنة في ذلك:

عرّفها الشريف الجرجاني في التعريفات 47: العِصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها.

عرّفها السعد التفتزاني في شرح المقاصد 2/160 بقوله: العصمة لطف لا يكون معه داع إلى ترك الطاعة ولا إلى ارتكاب المعصية مع القدرة عليهما.

ما ذكره شهاب الدين الخفاجي في كتاب نسيم الرياض 4/39:  فى شرح الشفا للقاضى عياض بأنها : لطف من الله تعالى يحمل النبى على فعل الخير، ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقاً للابتلاء.

فلعلّ سماحة الشيخ خانه التعبير أو اشتبه في المسألة فلم يطّلع على ما سطّره علماء الكلام في هذا الباب.

نقد حصره العصمة في الأنبياء:

أصرّ فضيلة الدكتور على كون العصمة محصورة في خصوص الأنبياء والمرسلين وأنّه لا وجود لمعصوم خارج دائرة النبوّة والرسالة, بل اعتبر هذا الحصر من بديهيات أهل السنة والجماعة غير القابلة للتشكيك.

والحال أنّ ما ذكره سماحة الشيخ غير صحيح لعدّة أمور:

أولا: لا شكّ ولا ريب أنّ العصمة هي عطيّة ومنحة من الله إلى بعض عباده, وكما أنّ إثباتها لشخص يحتاج إلى دليل عليه كذلك حصرها في مجموعة ونفي إمكانية اتصاف آخرين بها أيضا يحتاج إلى دليل ينهض بهذا الادعاء, ولم يأت شيخ الأزهر بدليل على هذا النفي سوى الدفع بالصدر والتكلّم بضرس قاطع, وهذا ما يخالف بديهيات البحث العلمي كما هو معروف.

ثانيا: نصّ مجموعة من علماء أهل السنة والجماعة على جواز العصمة على غير الأنبياء, نذكر منهم:

ابن حجر العسقلاني في الفتح 11/438: وعصمة الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام حفظهم من النقائص وتخصيصهم بالكمالات النفيسة والنصرة والثبات في الأمور وانزال السكينة والفرق بينهم وبين غيرهم أن العصمة في حقهم بطريق الوجوب وفي حق غيرهم بطريق الجواز.

العيني في عمدة القاري 23/155: المعصوم من عصمة الله بأن حماه عن الوقوع في الهلاك، يقال: عصمه الله من المكروه وقاه وحفظه ، والفرق بين عصمة المؤمنين وعصمة الأنبياء عليهم السلام ، أن عصمة الأنبياء بطريق الوجوب ، وفي حق غيرهم بطريق الجواز.

ونقل فتح الله البناني في كتابه عصمة الأنبياء 6 عن بعض المتكلمين قوله: العصمة صفة توجب امتناع عصيان موصوفها والمختص بالأنبياء والملائكة وجوبها, فلا يمتنع حصولها لغيرهم على جهة الجواز.

ثالثا: العجيب أنّ جملة من علماء أهل السنّة والجماعة قد نصّ على ثبوت العصمة  لمجموعة من الناس من غير الأنبياء, ممّا يثبت أنّ ما تمسّك به شيخ الأزهر في ردّه على نسبة الشيعة العصمة لأئمّتهم عليهم السلام بعيد كلّ البعد عن ما احتوته الكتب.

نذكر أمثلة على ذلك:

ابن أبي جمرة الأندلسي كما نقل عنه ابن حجر في الفتح 8/369: وفيه تقوية لأحد الاحتمالين في قوله صلى الله عليه وسلم عن أهل بدر إن الله قال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأن الراجح أن المراد بذلك أن الذنوب تقع منهم لكنها مقرونة بالمغفرة تفضيلا لهم على غيرهم بسبب ذلك المشهد العظيم ومرجوحية القول الآخر أن المراد أن الله تعالى عصمهم فلا يقع منهم ذنب نبّه على ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به.

المفسّر الزمخشري في الكشاف 1/270: ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهلّ صارخاً من مس الشيطان إياه ، إلا مريم وابنها " فالله أعلم بصحته؛ فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها، فإنّهما كانا معصومين.

شمس الدين الذهبي في الموقظة 85: وقد يكون نفس الإمام فيما وافق مذهبه, أو في حال شيخه ألطف منه فيما كان بخلاف ذلك, والعصمة للأنبياء والصدّيقين وحكّام القسط.

وعليه فنسبة الشيعة العصمة لأئمتهم عليهم السلام ليس بدعا من القول, بل شاركهم في ذلك أئمة أهل السنة والجماعة, ولولا خوف الإطالة و اصابة القارىء بالملالة لنقلت كبار علماء الصوفية في عصمة أوليائهم وأقطابهم وأوتادهم.

نقد نفيه العصمة عن الصحابة:

أكّد سماحة شيخ الأزهر على أنّهم لا ينسبون العصمة للصحابة, لكن من ينظر إلى كيفية تعامل أهل السنّة والجماعة يجد أنهم يعتقدون عمليا بعصمة الصحابة, فرغم تسليمهم بإمكانية وقوع الخطأ وصدور الذنب عن الصحابة إلّا أنّه نجد أنّ القوم يتهّمون كلّ من نسب الخطأ أو الزلل لواحد من الصحابة ويشكّكون في دينه وإيمانه!

بل نجد أنّ جملة من علماء أهل السنة قد صرّح بعصمة الصحابة بصورة واضحة تقطع الشك باليقين:

ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل 1/7: فاما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه واظهار حقه فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب، ووعوه وأتقنوه، ففقهوا في الدين وعلموا امر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عز وجل بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز..!

قال السعد التفتازاني في شرحه للمقاصد2/279: واحتج أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالإجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم مع الإجماع على أنهم لم تجب عصمتهم وإن كانوا معصومين بمعنى أنهم منذ آمنوا كان لهم ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها.

ونقل الخلال في كتاب السنة 2/307 بسنده: عن بشر بن الحارث: رفع الخطأ عن أبي بكر وعمر.

وما أحسن في هذا المقام ذكر كلام العلامة ابن عقيل العلوي (الاشعري) حين ذكر حقيقة هذه العدالة التي نسبت للصحابة في كتابه النصائح الكافية 175: إنّنا أهل السنة قد أنكرنا على الشيعة دعواهم العصمة للأئمة الإثني عشر عليهم السلام وجاهرناهم بصيحات النكير وسفهنا بذلك أحلامهم ورددنا أدلّتهم بما رددنا أفبعد ذلك يجمل بنا أن ندعي إنّ مائة وعشرين ألفا حاضرهم وباديهم وعللهم وجاهلهم وذكرهم وأنثاهم كلهم معصومون أو كما نقول محفوظون من الكذب والفسق ونجزم بعدالتهم أجمعين فنأخذ رواية كلّ فرد منهم قضية مسلمة نضلل من نازع في صحتها ونفسقه ونتصامم عن كل ما ثبت وصح عندنا بل وما تواتر من ارتكاب بعضهم ما يخرم العدالة وينافيها من البغي والكذب والقتل بغير حق وشرب الخمر وغير ذلك مع الإصرار عليه لا أدري كيف تحل هذه المعضلة ولا أعرف تفسير هذه المشكلة..؟!!

 خاتمة:

لم يوفق شيخ الأزهر في بيان معنى العصمة عند المسلمين, كما ساق أمورا مساق المسلّمات والحال أنّها موضع خلاف بين علماء أهل السنة والجماعة فضلا عن كونهم يخالفون فيها مدرسة أهل البيت عليهم السلام.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات