» إنجاز 85% من مشروع «قُربَى» لشراء وتحسين مساكن الأيتام  » مهندسات سعوديات : 1600 مؤسسة توظف الأجانب وتتجاهلنا  » ثقافة الصراخ  » وردني سؤال هام ما الفرق بين الذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي؟  » هل تشكل العلاقات الافتراضية خطراً على الأبناء؟  » سعوديون يرفضون عروضا وظيفية لا تقدم إجازة  » 4 ضوابط لرفع حظر السفر عن الممارسين الصحيين  » الشرقية: إغلاق مركز حضانة يدرس منهجا غير مرخص  » «التعليم» تكشف حقيقة خطاب صرف مكافأة 50 ألف ريال لخريجي الجامعات  » قلة المراجعين تدمج مراكز رعاية صحية أولية  
 

  

24/02/2012م - 12:15 ص | مرات القراءة: 4511


هذه أيام مباركة شهدت بدء الإمامة الفعلية لإمامنا صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه الشريف) وقيامه بالأمر بعد

استشهاد أبيه الإمام الحسن العسكري في الثامن من ربيع الأول، وبهذه المناسبة نذكر رواية من أخبار دولته المباركة مفادها انه في عصر الظهور يكشف الفرات عن كنوز ليست من الذهب ولا من الفضة، والفرات كناية عن العراق لأنه النهر الأشهر كما يعبّر عن مصر ببلاد النيل ونحوه.
وقد فسّرتُ الكنوز بالأنصار الصالحين المخلصين للإمام (عليه السلام) لأن سياق الحديث واضح أن المراد بالكنوز شيء معنوي وليس مادياً.

ووجدت في الأخبار ما يؤيد ذلك ففي كتاب البحار (أن عيسى عليه السلام كان مع بعض الحواريين في بعض سياحته ، فمروا على بلد ، فلما قربوا منه وجدوا كنزا على الطريق ، فقال من معه : ائذن لنا يا روح الله أن نقيم ها هنا ونحوز هذا الكنز لئلا يضيع ، فقال عليه السلام لهم : أقيموا ها هنا وأنا أدخل البلد ولي فيه كنز أطلبه ، فلما دخل البلد و جال فيه رأى دارا خربة فدخلها فوجد فيها عجوزة ، فقال لها : أنا ضيفك في هذه الليلة ، وهل في هذه الدار أحد غيرك ؟ قالت : نعم لي ابن مات أبوه وبقي يتيما في حجري ، وهو يذهب إلى الصحارى ويجمع الشوك ويأتي البلد فيبيعها ويأتيني بثمنها نتعيش به ، فهيأت لعيسى عليه السلام بيتا ، فلما جاء ولدها قالت له : بعث الله لنا في هذه الليلة ضيفا صالحا ، يسطع من جبينه أنوار الزهد والصلاح ، فاغتنم خدمته وصحبته ، فدخل الابن على عيسى عليه السلام وخدمه وأكرمه فلما كان في بعض الليل سأل عيسى عليه السلام الغلام عن حاله ومعيشته وغيرها ، فتفرس عليه السلام[2] فيه آثار العقل والفطانة والاستعداد للترقي على مدارج الكمال ، لكن وجد فيه أن قلبه مشغول بهم عظيم ، فقال له : ياغلام أرى قلبك مشغولا بهم لا يبرح فأخبرني به لعله يكون عندي دواء دائك ، فلما بالغ عيسى عليه السلام قال : نعم في قلبي هم وداء لا يقدر على دوائه أحد إلا الله تعالى ، فقال : أخبرني به لعل الله يلهمني ما يزيله عنك ، فقال الغلام : إني كنت يوما أحمل الشوك إلى البلد فمررت بقصر ابنة الملك فنظرت إلى القصر فوقع نظري عليها فدخل حبها شغاف[3] قلبي وهو يزداد كل يوم ولا أرى لذلك دواء إلا الموت ، فقال عيسى عليه السلام : إن كنت تريدها أنا أحتال لك حتى تتزوجها ، فجاء الغلام إلى أمه وأخبرها بقوله ، فقالت أمه : يا ولدي إني لا أظن هذا الرجل يعد بشيء لا يمكنه الوفاء به ، فاسمع له وأطعه في كل ما يقول ، فلما أصبحوا قال عيسى عليه السلام للغلام : اذهب إلى باب الملك ، فإذا أتى خواص الملك ووزراؤه ليدخلوا عليه قل لهم : أبلغوا الملك عني أني جئته خاطبا كريمته ، ثم ائتني وأخبرني بما جرى بينك وبين الملك ، فأتى الغلام باب الملك ، فلما قال ذلك لخاصة الملك ضحكوا وتعجبوا من قوله و دخلوا على الملك وأخبروه بما قال الغلام مستهزئين به ، فاستحضره الملك ، فلما دخل على الملك وخطب ابنته قال الملك مستهزئا به : أنا لا أعطيك ابنتي إلا أن تأتيني من اللآلي واليواقيت والجواهر الكبار كذا وكذا ، ووصف له ما لا يوجد في خزانة ملك من ملوك الدنيا ، فقال الغلام : أنا أذهب وآتيك بجواب هذا الكلام ، فرجع إلى عيسى عليه السلام فأخبره بما جرى ، فذهب به عيسى عليه السلام إلى خربة كانت فيها أحجار ومدر كبار[4] ، فدعا الله تعالى فصيرها كلها من جنس ما طلب الملك وأحسن منها ، فقال : يا غلام خذ منها ما تريد واذهب به إلى الملك ، فلما أتى الملك بها تحير الملك وأهل مجلسه في أمره ، وقالوا لا يكفينا هذا ، فرجع إلى عيسى عليه السلام فأخبره ، فقال : اذهب إلى الخربة وخذ منها ما تريد واذهب بها إليهم ، فلما رجع بأضعاف ما أتى به أولا زادت حيرتهم ، وقال الملك : إن لهذا شأنا غريبا ، فخلا بالغلام واستخبره عن الحال ، فأخبره بكل ما جرى بينه وبين عيسى عليه السلام وما كان من عشقه لابنته ، فعلم الملك أن الضيف هو عيسى عليه السلام ، فقال : قل لضيفك : يأتيني ويزوجك ابنتي ، فحضر عيسى عليه السلام وزوجها منه ، وبعث الملك ثيابا فاخرة إلى الغلام فألبسها إياه وجمع بينه وبين ابنته تلك الليلة ، فلما أصبح طلب الغلام وكلمه فوجده عاقلا فهما ذكيا ولم يكن للملك ولد غير هذه الابنة فجعل الغلام ولي عهده فلما كانت الليلة الثانية مات الملك فجأة وأجلسوا الغلام على سرير الملك وأطاعوه وسلموا إليه خزائنه ، فأتاه عيسى عليه السلام في اليوم الثالث ليودعه ، فقال الغلام : أيها الحكيم إن لك علي حقوقا لا أقوم بشكر واحد منها لو بقيت أبد الدهر ، ولكن عرض في قلبي البارحة أمر لو لم تجبني عنه لا أنتفع بشيء مما حصلتها لي ، فقال : وما هو؟ قال الغلام : إنك إذا قدرت على أن تنقلني من تلك الحالة الخسيسة إلى تلك الدرجة الرفيعة في يومين فلم لا تفعل هذا بنفسك ، وأراك في تلك الثياب وفي هذه الحالة فلما أحفى[5] في السؤال قال له عيسى عليه السلام : إن العالم بالله وبدار كرامته وثوابه والبصير بفناء الدنيا و خستها ودناءتها لا يرغب إلى هذا الملك الزائل وهذه الأمور الفانية ، وإن لنا في قربه تعالى ومعرفته ومحبته لذات روحانية لا نعد تلك اللذات الفانية عندها شيئا ، فلما أخبره بعيوب الدنيا وآفاتها ونعيم الآخرة ودرجاتها قال له الغلام : فلي عليك حجة أخرى لم اخترت لنفسك ما هو أولى وأحرى وأوقعتني في هذه البلية الكبرى ؟ فقال له عيسى : إنما اخترت لك ذلك لامتحنك في عقلك وذكائك ، وليكون لك الثواب في ترك هذه الأمور الميسرة لك أكثر وأوفى ، وتكون حجة على غيرك ، فترك الغلام الملك ، و لبس أثوابه البالية ، وتبع عيسى عليه السلام فلما رجع عيسى إلى الحواريين قال : هذا كنزي الذي كنت أظنه في هذا البلد فوجدته .والحمد لله).[6]

أقول: حينما سرّدت هذه الرواية لا أريد منها تحبيب العزلة والترهب لأنها أمور مذمومة في الإسلام وإنما أريد أن نزيد همّتنا لنكون من هذه الكنوز التي ينتقيها الإمام ويصطفيها لنفسه ويجعلها من خاصّته، وهذا أمرٌ في متناول كل أحد، إذا صدق في إيمانه وبذل السعي المناسب للهدف وأدركته الألطاف الإلهية قال تعالى (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً) (الإسراء/19) كمن يريد أن يصبح طبيباً فإنه لابد أن يبذل السعي المناسب فيتفوق في دراسته الإعدادية ويحصل على معدلٍ عالٍ ثم يدرس في كلية الطب ويتابع بقية السعي حتى نهايته.
ولا نتصور أن السبيل الموصل إلى الله تعالى منحصر بالعبادات المتعارفة كالصلاة والصوم والحج والزيارة، بل يُفهم من الأحاديث الشريفة أنه يوجد ما يمكن أن يكون أسرع في طي مراحل التكامل، قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ليست العبادة كثرة الصيام والصلاة وإنما العبادة كثرة التفكر في أمر الله)[7] فالعبادة أن تشعر وتحسّ بوجدانك أن الله تبارك وتعالى حاضر عندك مطّلع عليك أقرب إليك من حبل الوريد يحنو ويشفق عليك ويحبّك ويداريك ويدفع عنك، ولازم ذلك أن تفعل كل ما يحبّبك إليه ويقرّبك منه وأن تتعرف إليه تبارك وتعالى أكثر وأكثر وتفهم حقائق أسمائه الحسنى وتسعى

لتحقيق تلك الصفات في حياتك كالرحمة والعفو والعلم والكرم وغيرها.
يسأل شخص الإمام (عليه السلام) عن الدليل على وجود الله تعالى فيجيبه بما يناسبه ويقول له: هل ركبت البحر يوماً فانكسرت بك السفينة في لججه المظلمة وأيقنت بالهلاك؟ قال الرجل نعم قال (عليه السلام) فهل تعلّق قلبك بقوة قادرة على أن تنجيك وتنقذك مهما استحال الأمر بالوسائل الطبيعية؟ قال: نعم قال (عليه السلام) ذلك هو الله تعالى فأنت تؤمن به وإن كنت لا تعرفه.
أقول: هذا التعلق بالله تبارك وتعالى واللجوء إليه يجب أن تستشعره دائماً وليس فقط في وقت الاضطرار، وهذه العلاقة الطيبة العامرة مع الله تبارك وتعالى هي حقيقة الدين لا الشكليات والمظاهر.

وهنا أودّ الإشارة إلى مصطلح مبتدع تحوّل إلى ظاهرة لا تنسجم مع هذا الفهم لحقيقة الدين حيث أسيء استخدامه وهو عنوان (المتدين) وجعلوه مرادفاً لعنوان (المؤمن)، وهو غير صحيح، لأن عنوان المؤمن مصطلح قرآني تكرّر كثيراً يعبّر عن سلوك صالح وعقيدة صحيحة وأخلاق سامية، أما عنوان المتدين فيركّز على شكليات ومظاهر كإطلاق اللحية ومسك المسبحة ولبس الخاتم باليمين وأداء بعض الطقوس الدينية، وهذا كله من الشريعة بالتأكيد، لكن أن يكون هو المقياس بغّض النظر عن الجوهر وسلامة الباطن والاستقامة في التعامل مع الآخرين فهذا تديّن مزيّف روّج له من يريد خداع السذّج لتحقيق أجندات خاصة به والمتاجرة بالدين، حتى تحمّل الدين إساءات كثيرة بسبب تصرفات بعض المتديّنين.
ومن أعظم القربات إلى الله تعالى الإحسان إلى خلقه لأنهم عياله وصنيعته والإحسان إليهم إحسان إليه تبارك وتعالى، قال الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (إنّ في الجنة لباباً يقال له المعروف، لا يدخله إلا أهل المعروف، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة).

وأنتم معاشر الأطباء من مظاهر الرحمة والمعروف والإنسانية فأمامكم فرصة واسعة لتكونوا من هذه الكنوز التي يبحث عنها الإمام (عليه السلام) وينتظر نضجها وتكاملها ليفتح بهم العالم ويقيم دولته المباركة.
نحن نقدّر الصعوبات التي تواجهكم في حياتكم ومنها ما نسمعه من جرأة البعض عليكم حينما يموت لهم شخص في المستشفى فيهدّدون الطبيب ويطالبونه بالتعويض المالي وهو عمل يعتبر جريمة شرعاً وقانوناً لأن الطبيب لا يضمن ما يحصل للمريض أثناء المعالجة قضاءاً وقدراً ما دام مجازاً بممارسة المهنة ومؤهلاً للعمل الذي يقوم به، وما دام قد بذل وسعه و ما يقتضيه واجبه بلا تفريط ولا إهمال ولا تجاوز الحدود المقرّرة وهذا ما نفتي به فقهياً خصوصاً إذا حصل على براءة من الضمان من المريض أو ذويه قبل العملية.

وهنا نهمس في ذهن الأطباء ونطالبهم بأن يتقنوا عملهم ويكونوا أمينين على مسؤولياتهم ومخلصين في مهنتهم لا تؤثر عليهم دوافع أخرى كإيكال الأمور إلى غير الأكفّاء، أو عدم التأنّي في إجرائها، إمّا لتحصيل المال بانجاز عدد أكبر من العمليات أو للمباهاة وإظهار التفوق على أقرانه أو لطلب الراحة ونحوها.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات