» «اللغة الصينية» والتربية البدنية للبنات ضمن وظائف التعليم  » القبض على «خاطفة» طفلة جدة  » انتكاسة روحية  » مثقفون وزوار: معرض تبادل الكتب يسهم في تحريك العجلة الثقافية  » حملات ميدانية لإزالة اللوحات الإعلانية المخالفة بسيهات  » القطيف تطلق أولى لياليها الرمضانية في وسط العوامية  » شرطة جدة تلاحق أباً نحر وطعن ابنته  » العمل: التحقيق مع مسؤولي منشأة قام أحد منسوبيها من الوافدين بتوزيع مبالغ نقدية على الموظفات وتوجيههن بالنظافة  » «التعليم»: 10456 وظيفة شاغرة للعام الدراسي القادم  » ضريبة انتقائية على المشروبات المحلاة والسجائر الالكترونية  
 

  

صبحي حديدي - 27/03/2009م - 1:53 م | مرات القراءة: 1381


إذا جاز للبعض أن يطلق صفة الـ'دراماتيكية' على رسالة التهنئة التي وجهها الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى الشعب الإيراني في مناسبة السنة الجديدة الفارسية،

فإنّ اعتبارات شكلية فقط (اختيار الصيغة المتلفزة، والترجمة المتزامنة إلى اللغة الفارسية أسفل الصورة، والبثّ عبر إذاعة صوت أمريكا) هي التي تبرّر إسباغ الدراما على تلك الواقعة.

وهذا، بالطبع، لا يلغي حقيقة أنّ الرسالة تمثّل انعطافة فارقة عن خطّ الإدارة السابقة، بعيداً عن خطاب المحافظين الجدد بصدد إيران إجمالاً، ونظرية 'محور الشرّ' التي اعتمدها الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش بصفة خاصة.

أمّا في الجوهر، أي سلسلة الخيارات الستراتيجية التي ما تزال الإدارة الراهنة تقرّها وتعمل بهدي منها (وبعضها يرتقي إلى مستوى 'الثوابت' الراسخة)، فإنّ المبادرة قد تراوح في المكان.

ولعلّ المرء يبدأ من حقيقة تعيين دنيس روس، الدبلوماسي الشهير الذي اختصّ بنصح رئيسين أمريكيين ـ جورج بوش الأب، وبيل كلنتون ـ حول السلام العربي ـ الإسرائيلي، في منصب المستشار الخاصّ لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلنتون، لشؤون... 'الشرق الأوسط الأعرض'! و'الأعرض' هذه صفة تلفت الإنتباه حقاً، لأنها لا تلوح جامعة للشرقَيْن الأوسط والأدنى، وبالتالي تشتمل على إيران وتركيا وأفغانستان، فحسب؛ بل كذلك لأنها سوف تتقاطع، عملياً، مع وظيفتَيْ جورج ميتشل (المبعوث الخاصّ إلى الشرق الأوسط)، وريشارد هولبروك (المبعوث الخاصّ إلى أفغانستان والباكستان).

ومن جانب آخر، ينتمي روس إلى 'معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى'، الذي يدعو مختلف رجالاته إلى وجوب التنسيق التامّ مع إسرائيل، اقتصادياً ودبلوماسياً ثمّ عسكرياً أيضاً، في كلّ تعاطٍ أمريكي مع الملفّ الإيراني. ولعلّ روبرت وود، الناطق باسم الخارجية الأمريكية، كان قد استبطن الجانب الصقري من شخصية روس حين شرح بعض الأسباب وراء قرار تعيينه: 'هذه منطقة تخوض فيها أمريكا حربَيْن، وتجابه تحديات صراع مشتعل، وإرهاب، وانتشار للأسلحة النووية، ومصادر للطاقة، ونموّ اقتصادي، وتدعيم للديمقراطية وسيادة القانون'... هكذا، دفعة واحدة وليس أقلّ، هي أغراض تعيين روس!

وقد يساجل البعض بأنّ صلاحيات 'المستشار' ليست شبيهة بصلاحيات 'المبعوث'، وأنّ هذا الغموض الدلالي والإنفلاش الجغرافي في تحديد مهامّ روس ـ بين 'شرق أوسط أعرض'، و'خليج'، و'جنوب شرق آسيا' ـ هما الدليل على أنّ الوظيفة شكلانية فقط.

وفي هذا الكثير من الغبن بحقّ شخصية روس نفسه، حمائمية كانت أم صقرية، وتقليل من خبراته الطويلة التي تجعله أكثر سطوة من ميتشل وهولبروك، وأقلّ استعداداً لأن يكون محض باصم مستكين إمّعة، من جهة أولى؛ وفيه خفض من رغبة كلنتون نفسها في أن تحشد من حولها خيرة رجالات زوجها المخضرمين، سيّما إذا كانوا من أصدقاء إسرائيل، أو كانوا يهوداً بارزين في مراكز الابحاث ومؤسسات الخبرة والنصح والمشورة.

ولسوف تكشف الاسابيع القليلة القادمة طبيعة الدور الذي سيلعبه روس، ليس في ملفّ العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية وحدها، بل كذلك في التناغم أو التناقض مع أشغال ميتشل وهولبروك.

فإذا طوى المرء صفحة خطابات التشدّد والتهديد والعدوانية التي أشاعها جورج بوش الابن ونائبه ديك شيني ضدّ إيران، واستبشر خيراً في ميل أوباما إلى فتح صفحة جديدة مع 'حضارة عظيمة'، لشعب 'كان فنّه، وموسيقاه، وأدبه، وابتكاره قد جعلت العالم مكاناً أفضل وأجمل'، كما جاء في رسالة التهنئة، فإنّ حصيلة المحاولات السابقة ـ قبل بوش الابن، وقبل صعود خطاب المحافظين الجدد، وفي زمن كانت فيه وزيرة الخارجية الحالية سيّدة أولى على مقربة من الخطوط الكبرى للسياسة الخارجية... ـ لا تبشّر بخير جلي، أو لعلها تنذر بالنقيض. وقبل عقد من الزمن، كانت امرأة أخرى في وزارة الخارجية، مادلين أولبرايت، قد دعت إلى رسم 'خريطة طريق' للعلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، واعدة بالخير إذا أحسن الإيرانيون قراءة ما حمّلته عليها الإدارة من تفاصيل طبوغرافية (بحار وأنهار، تلال ووديان، دروب مستقيمة وأخرى متعرّجة... كما للمرء أن يتخيّل).

وفي كلمة ألقتها أثناء اجتماع نظّمته الجمعية الآسيوية، وليس في مؤتمر صحافي أو اجتماع سياسي رسمي، قالت أولبرايت: 'واضح أنّ عقدَين من انعدام الثقة لا يمكن محوهما في ليلة وضحاها. الهوّة بيننا ما تزال واسعة. ولكن الوقت قد حان لاختبار إمكانيات جسر الهوّة'.

العقدان صارا ثلاثة اليوم، وبدل أن تنجسر الهوّة فإنها ازدادت اتساعاً، والخريطة التي يمكن أن تُرسم اليوم تحتوي على عنصر متفجر (برنامج إيران النووي) لم يكن متوفراً في خريطة 1998؛ ولم يكن العراق مستنقع كوابيس للقوّات الأمريكية المحتلة، ومنبع استيلاد أوراق قوّة تكتيكية واستراتيجية لإيران.

كذلك لم يكن محمود أحمدي نجاد (صاحب التصميم على 'محو' إسرائيل من الخريطة، واليقين بأنّ الإمام المهدي يدير العالم) هو رئيس إيران. كان ذاك هو محمد خاتمي، الرئيس المعتدل الذي أجبره المتشددون على الإنسحاب من الإنتخابات الرئاسية القادمة، ولعلّهم أخرجوه نهائياً من المعادلة الإيرانية الداخلية، السياسية والعقائدية في آن معاً.

وفي تلك الحقبة أجرى خاتمي حواراً مع شبكة الـ CNN بدا دراماتيكياً بدوره، وربما أكثر من رسالة التهنئة المتلفزة التي وجهها أوباما، إذْ كان الأوّل من نوعه ومحتواه ومستواه منذ انتصار الثورة الإسلامية سنة 1979.

ولقد سعى الرجل إلى توجيه أكثر من رسالة سياسية ـ عقائدية إلى الداخل (حيث كانت رسائل كهذه ترقى إلى مستوى العلاج بالصدمة)، ثمّ إلى العالم بأسره، وإلى الولايات المتحدة خاصة (حيث لا تبدو الرسالة 'رسالة' مبطنة بسبب وضوح سياقاتها ودوافعها).

وكان خاتمي أشدّ ذكاء وحصافة من أن يصرف نصف ساعة في مديح 'الأمّة الأمريكية العظيمة'، ودقائق معدودات فقط في ملامة القيادات الأمريكية، ويعتبر هذه الحصيلة رسالة 'اعتدال' هادفة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية.

وكان في الحقيقة يمارس مزيجاً من التسليم والنقد الذاتي حين اعتبر أنّ السطور الأولى في تلك الصفحة لن تكتبها مبادرة دبلوماسية من أي نوع (معلنة أو خفية، فالأمر سيان)، بل قد يدشنها 'أساتذة الجامعات والكتّاب والعلماء والفنانون والصحافيون والسيّاح' كما اقترح خاتمي، ربما على غرار المعجزة التي اجترحتها كرة 'البنغ بونغ' في العلاقات الصينية ـ الأمريكية ذات يوم.

وفي جزء مدهش من تلك المقابلة قال خاتمي، على غرار ما سيقول أوباما بعد 11 سنة: 'الحضارة الأمريكية جديرة بالاحترام. وحين نثمّن جذور هذه الحضارة، فإنّ مغزاها يصبح واضحاً أكثر.

وكما تعلمين (مخاطباً الصحافية كريستيان أمانبور، ذات الأصول الإيرانية)، هنالك في بليموث، ماساشوستس، صخرة يحترمها ويبجلها كلّ الأمريكيين.

إن سرّ الحضارة الأمريكية يكمن في هذه الصخرة. ففي مطلع القرن السابع عشر رسا على هذه الصخرة 125 من الرجال والنساء والأطفال الذين غادروا إنكلترا بحثاً عن أرض بكر يقيمون عليها حضارة متفوقة. والسبب في احترام الأمريكيين لهذه الصخرة هو أنها كانت أوّل يابسة رسا عليها الحجّاج البيوريتانيون. ومنذ ذلك الحين والأمريكيون يحتفلون بالخميس الأخير من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر بوصفه 'عيد الشكر'، شكر الله على هذا النجاح الذي أنعم به عليهم'.

والحال أنّ خاتمي لم يكن يتحدث عن شيء آخر سوى 'الحلم الأمريكي'، ذلك المفهوم الصوفي السحري الذي يسير على ألسنة الساسة الأمريكيين في كلّ موسم انتخابي، أو كلما تعيّن على واحدهم أن يدغدغ أنفة الأمريكي أو غطرسته الموروثة بمعنى أدقّ.

وعلى نقيض ما رأى الرئيس الإيراني السابق، فإنّ التاريخ الأمريكي يقول أشياء أخرى عن تلك الصخرة وأولئك الحجاج، ويسجّل للحلم قيامه على الطهورية أولاً، فقط؛ ثمّ نهوضه بعدئذ على شهوات لاطهورية ودنيوية صرفة: الفتح، التوسع، الهيمنة، الأسواق، الإستثمار، التراكم، وما إلى هذه من أخلاقيات رأسمالية لا يبدو أنّ أحداً ينازع الأمريكيين على اعتناقها.

والحكاية الأشهر في هذا الصدد تقول إن المهاجر الإنكليزي جون ونثروب أبحر في عام 1630 على ظهر السفينة 'أرابيلا'، في طريقه إلى العالم الجديد. وعلى مبعدة فراسخ قليلة من شواطىء أمريكا نطق ذلك الطهوري الحالم بتلك الجملة الذهبية: 'إنني أحلم بأمريكا على هيئة مدينة في أعلى هضبة خضراء، تحفّ بها البراري والمراعي والكنائس'.

هكذا بعفوية شاعرية لاهوتية، ولكن بما يكفي من البراغماتية التي جعلته يردف بالقول: 'هدفي هو الحرية، ولكنّ مخططاتي على المدى البعيد ستكون الإستئثار بأقصى ما يتيحه لي الربّ من عقارات وثروات'. وبالفعل، أرسى ونثروب قلوعه عند الصخرة التي امتدحها خاتمي، ثمّ أقام مستعمرة بوسطن، وأسّس شركة ماساشوستس من عرق ودماء الزنوج العبيد، وانتُخب حاكماً مدى الحياة.

والمشكلة أنّ 'الأمة الأمريكية العظيمة' مصابة بتخمة الحديث عن الصخرة البيوريتانية والحلم الأمريكي، ولم يكن في مقدور خاتمي أن يضيف أي جديد إلى بضاعة عتيقة تمرّس في طرحها ساسة أمريكا طيلة قرون، وليس طيلة عقود.

المشكلة الأخرى أنّ صخوراً من نوع مختلف كانت تنتظر خطابه الإنفتاحي الحضاري، وعليها سوف تتكسر المفردات التصالحية، غير بعيد عن صخرة ماساشوستس التي يتعاقب على حراستها يمين البيت الأبيض مثل وسطه، والمحافظون مثل الليبراليين، القدماء منهم والجدد! وهل يمكن للمعادلة الصماء تلك أن تتبدّل على يد رئيس جديد من أحفاد العبيد الذي كانوا ضحايا ونثروب (أوباما)، إذا كان هذا الجديد يحشد من حوله رهط القدماء من أحفاد ونثروب، والغلاة منهم (كلنتون، روس، هولبروك...)؟

وثمة، ما تزال، 'لاءات' ثلاث، إذا صحّ القول، تختصر روح الموقف الأمريكي من إيران: الأولى بسبب دعم إيران لما تسمّيه واشنطن 'حركات الإرهاب الاسلامي' إجمالاً، و'حزب الله' و'حماس' تحديداً؛ والثانية بسبب إصرار إيران على تطوير قدراتها النووية، في الصناعة المدنية قبل العمل على امتلاك أسلحة الدمار الشامل؛ والثالثة بسبب موقف إيران المناهض، أو غير المؤيد، للعملية السلمية التي تديرها الولايات المتحدة بين العرب واسرائيل. العراق شوكة كبرى عالقة طيّ جبهات الصدام هذه، منفردة أو مجتمعة، ولعلّ جدولة الإنسحاب العسكري الأمريكي منه سوف تنقلب إلى إعادة جدولة لتلك اللاءات؛ بما يفضي إلى حقنها بالمزيد من أسباب التوتّر، وليس العكس، على الأرجح.

وتبقى صخرة أخرى، سوسيو ـ إيديولوجية هذه المرّة. فالخبراء ـ من طينة دنيس روس، تحديداً! ـ كانوا قد أصدروا على 'معتدلي' الإسلام هذا الحكم الجامع المانع: صحيح أنّ بعض الأصوليين تعلّموا مفردات الحرية والديمقراطية وحقوق المواطن والمؤسسات، واكتسبوا خصائص الدعاة القوميين دون أن يتخلوا عن المعجم الصانع لكثير من أسباب جاذبية الإسلام الشعبي؛ ولكنّ الأصحّ التفكير بأنّ خطاباتهم نهضت وتطورت على أساس العداء للغرب والإمبريالية، ووراثة الخطاب الطبقي والاجتماعي لليسار العلماني الذي انهزمت برامجه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وثقافياً أيضاً.

فهل خلاصة الأمر كانت، وتظلّ اليوم: لا فائدة تُرجى... لكم صخرتكم، ولنا صخرتنا؟


القدس العربي اللندنية

التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات